"1/أ" بسم الله الرحمن الرحيم (1)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
مسألة في الرد على من قال: بفناء الجنة والنار، وعلى من قال بفناء (2) كالفارابية (3) وذكر اختلاف الناس في دار الجزاء بالعقاب، ودار الثواب بالإنعام، وللناس في ذلك ثلاثة أقوال:
قوم قالوا بفنائهما جميعا، وقوم قالوا ببقائهما جميعا، وقوم قالوا: بفناء دار الجزاء، وبقاء دار الإفضال، والإنعام، والإكرام. PageV01P041
رد شيخ الإسلام على مذهب الجهمية
وقد تكلم الشيخ (1) رحمه الله - على الجهمية (2) ، والهذيلية (3) ، الفارابية، ورجح أدلة أهل السنة، وهدم شبه أهل البدعة، وأشار إلى بعض أدلة غلبة الرضا على الغضب، فقال - رحمه الله:
وقد تنازع الناس في ذلك على ثلاثة أقوال (4) :
قيل: ببقائهما، وقيل: بفنائهما، وقيل: ببقاء الجنة، دون النار.
أما القول بفنائها (5) : فما رأينا أحدا حكاه عن أحد من السلف، من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وإنما حكوه عن الجهم بن صفوان، وأتباعه الجهمية.
وهذا مما أنكر عليه أئمة الإسلام، بل ذلك مما أكفروهم به، كما ذكره PageV01P042
عبد الله بن أحمد في كتاب "السنة" (1) والأثرم في: كتاب "السنة" (2) ، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في كتاب "خلق أفعال العباد" (3) ، وغيرهم عن خارجة بن مصعب، أنه قال:
كفرت الجهمية بآيات من كتاب الله - عز وجل -، في غير موضع بأربع آيات من كتاب الله:
بقوله تعالى: {أكلها دائم} (4) ، وهم يقولون: لا يدوم.
ويقول الله تعالى (5) : {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} (6) ، وهم يقولون ينفد.
وبقوله تعالى: {لا مقطوعة ولا ممنوعة} (7) ، فمن قال: إنها تنقطع، فقد كفر. PageV01P043
وبقوله (1) تعالى: {عطاء غير مجذوذ} (2) . أي: غير مقطوع. فمن قال: إنه (3) ينقطع، فقد كفر (4) .
"وهذا قاله جهم، لأصله الذي اعتقده، وهو: امتناع وجود ما يتناهى من الحوادث كما بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع (5) - وهو عمدة أهل الكلام الذين (6) استدلوا على حدوث الأجسام وحدوث ما لم يخل من الحوادث بها (7) ، وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم، فرأى الجهم: أن ما يمنع من وجود ما لا يتناهى بمنعه (8) في (9) المستقبل، كما يمنعه في الماضي، فيلزم (10) أن يكون الفعل الدائم ممتنعا على الرب في المستقبل كما كان ممتنعا عليه في الماضي وأبو الهذيل العلاف "2/أ" شيخ المعتزلة وافقه على هذا الأصل، لكن قال: هذا إنما يقتضي PageV01P044
فناء الحركات، فقال: إنه تفنى حركات أهل الجنة، والنار حتى يبقوا في سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة" (1) .
وزعم طائفة ممن وافقهم على امتناع حوادث لا نهاية لها، كأبي الحسن بن الزاغواني (2) ، أن هذا القول هو المقتضى القياس العقلي، لكن السمع لما جاء ببقاء الجنة، والنار، قلنا به (3) ، ولم يعلم أن ما كان ممتنعا في العقل لا يجيء السمع بوقوعه، فإن السمع لا يخبر بوجود ما كان ممتنعا في العقل (4) .
والأكثرون الذين وافقوا جهما، وأبا الهذيل على أصلها، فرقوا بين الماضي، والمستقبل من جهة العقل، بأن الماضي قد دخل في الوجود بخلاف المستقبل، والممتنع إنما هو أن يدخل في الوجود ما لا يتناهى.
وقد بسط الكلام على هذه الأقوال في غير هذا الموضع (5) ، وبين غلط أصحابها، وأن الماضي إذا قيل: لا يتناهى، فإنما المراد أنه لا ابتداء له، فلم ينته من طرف الابتداء، وإلا فإذا قدر ماضيا منتقضا، فقد تناهى. PageV01P045