التحقيق
مدخل
...
القسم الثاني
التحقيق
قاعدة في الصبر
للشيخ تقي الدين ابن تيمية (ت 728) رحمه الله
ورحم جميع أموات المسلمين
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم اعف واغفر.
قال الشيخ الإمام العامل شيخ الإسلام، مفتي الأنام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية1.
فصل:
جعل الله - سبحانه وتعالى - عباده المؤمنين بكل منزلة خيرا منه، فهم دائما في نعمة من ربهم، أصابهم ما يحبون، أو ما يكرهون، وجعل أقضيته وأقداره التي يقضيها لهم ويقدرها عليهم متاجر يربحون بها عليه، وطرقا يصلون منها إليه، كما ثبت في الصحيح عن إمامهم ومتبوعهم الذين إذا دعي يوم القيامة كل أناس بإمامهم دعوا به - صلوات الله وسلامه عليه -2 PageV01P088
أنه قال: "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله عجب لا1يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له"2.
فهذا الحديث يعم جميع أقضيته لعبده المؤمن وأنها خيرله إذا صبر على مكروهها وشكر لمحبوبها، بل هذا داخل في مسمى الإيمان كما3 قال بعض السلف: "الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر"4 لقوله تعالى: {إن في ذلك PageV01P089
لآيات لكل صبار شكور} 1 وإذا اعتبر العبد الدين كله رآه يرجع بجملته إلى الصبر والشكر، وذلك لأن الصبر ثلاثة أقسام:
صبر على الطاعة حتى يفعلها، فإن العبد لا يكاد يفعل المأمور به إلا بعد PageV01P090
صبر ومصابرة ومجاهدة لعدوه الباطن والظاهر1، فبحسب هذا الصبر يكون أداؤه للمأمورات وفعله للمستحبات.
النوع الثاني: صبر عن المنهي عنه2 حتى لا يفعله، فإن النفس ودواعيها، وتزيين الشيطان، وقرناء السوء، تأمره بالمعصية وتجرئه عليها، فبحسب قوة صبره يكون تركه لها، قال بعض السلف: أعمال البر يفعلها البر والفاجر ولا يقدر على ترك المعاصي إلا صديق3.
النوع الثالث: الصبر على ما يصيبه بغير اختياره من المصائب وهي نوعان:
نوع لا اختيار للخلق فيه، كالأمراض وغيرها من المصائب السماوية، فهذه يسهل الصبر فيها، لأن العبد يشهد فيها قضاء الله وقدره، وإنه لا مدخل للناس فيها، فيصبر إما اضطرارا، وإما اختيارا، فإن فتح الله على قلبه باب الفكرة في فوائدها وما في حشوها4 من النعم والألطاف5 انتقل من الصبر عليها إلى الشكر PageV01P091
لها والرضا بها، فانقلبت حينئذ في حقه نعمة، فلا يزال هجيرى1 قلبه ولسانه2 رب أعني على ذكرك3 وشكرك4 وحسن عبادتك5، وهذا يقوى ويضعف بحسب [قوة] 6 محبة العبد لله وضعفها، بل هذا يجده أحدنا في الشاهد كما قال الشاعر7 يخاطب محبوبا له [ناله ببعض ما يكره] 8:
لئن ساءني أن نلتني بمساءة
لقد سرني أني خطرت ببالك9
النوع الثاني10: أن11 يحصل له بفعل الناس في ماله أو عرضه أو نفسه. PageV01P092
فهذا النوع يصعب الصبر عليه جدا، لأن النفس تستشعر المؤذي لها1، وهي تكره الغلبة، فتطلب الانتقام، فلا يصبر على هذا النوع إلا الأنبياء والصديقون، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا أوذي يقول: يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر2 وأخبر عن نبي من الأنبياء أنه ضربه قومه فجعل يقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" 3 وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه جرى له هذا مع قومه [فجعل يقول مثل ذلك] 4، فجمع في هذا ثلاثة أمور: العفو عنهم، والاستغفار لهم، والاعتذار عنهم بأنهم لا يعلمون، وهذا النوع من الصبر عاقبته النصر والعز5 والسرور والأمن والقوة في ذات الله، وزيادة محبة الله ومحبة الناس له وزيادة العلم، ولهذا قال الله تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما PageV01P093