[مقدمة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وصفوة المرسلين عبد الله ورسوله محمد وعلى آله أجمعين.
أما بعد فهذا كتاب «العقود» لشيخ الإسلام علم الأعلام المجتهد المطلق والإمام الفقيه المحقق أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية المولود بحران 661 والمتوفي سنة 728 حبيس الظلم والجهل والتقليد الأعمى بقلعة دمشق رحمه الله ورضي عنه وحشرنا وإياه مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
أقدمه في هذا الثوب القشيب والطبع الجميل لإخواني السلفيين المقدرين لعلم ابن تيمية وفضله والحريصين على آثاره والعارفين بفقهه وتحقيقه وما تفضل الله عليه به من القدرة النادرة على استخراج الدرر النفيسة من أعماق بحور كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقدمه كذلك لرجال القانون العصريين الذين أتاحت لهم دراستهم أن يولوا وجوههم شطر الفرنجة زاعمين أن فهومهم أوسع من فهوم علماء المسلمين وأن بحوثهم أدق من بحوث علماء المسلمين وأن موارد قوانينهم ونظمهم ونظرياتهم التي زعموها لإصلاح المجتمع أرحب صدرا وأغزر مادة من موارد الشريعة الإسلامية السمحة.
ولعلهم يلتمسون لأنفسهم المعاذير بما أصاب المجتمع الإسلامي في كل نواحيه من غزو الفرنجة الأعجميين غزوا استولوا به أو كادوا على كل شئون المجتمع الإسلامي إلا من رحم ربك فأصبح سلطانهم نافذا في المدرسة والمحكمة والبيت والإدارة والشارع وأصبح المجتمع الإسلامي في غمرة أفرنجية غشت البصائر وملكت العقول وقيدت النفوس بأغلال ثقيلة قد ظن معها PageV00P001 المفتونون بها أن لا خلاص لهم منها إلا إلى التأخر والهمجية وهم جد واهمون فيما ينتحلون لأنفسهم من تلك المعاذير ما دام فينا كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وما دامت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزال بحمد الله مصونة في سجلاتها المحفوظة تؤدي لنا صورة صادقة كل الصدق لحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهداه ونصحه للأمة ورسالته إلى الناس كافة وما دام فينا كذلك من تراث أئمتنا المهتدين من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهم الله وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ما يضيء لنا السبيل ويهدينا الطريق.
وإني لعلى يقين من أن العصريين سيجدون في كتاب «العقود» ما يقنعهم بأن علماء الإسلام يفهمون «نظرية العقد» خيرا ألف مرة مما يفهمها أعاجم الفرنجة لأن علماءنا يستمدون فهمهم من معين كتاب الله وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعاجم الفرنجة يستمدون فهمهم من أفكارهم وأهوائهم وبيئاتهم التي غلب عليها الشهوات والشبهات وعبادة المادة التي أماتت القلوب وتركتها كالحجارة أو أشد قسوة وهم لذلك لا يزالون مضطربين في حيرة إرضاء نزغات الأهواء وجامحات المطالب ينقضون اليوم ما أبرموه أمس فأما علماؤنا الصادقون الناصحون أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية فهم على نهج واحد راشد حكيم لأنهم على صراط الله المستقيم.
هذا ولقد جاءتني نسخة كتاب «العقود» على يد الأخ الصالح محمد حسين جاسر وجدها في بلدته أبي سنبل من بلاد النوبة عند رجل لا يدري ما هي فلما رأيتها طربت لها أشد الطرب على ما بها من تآكل ذهب ببعض كلمات مما عدت عليها يد الإهمال فمكنت للعث والرطوبة أن تأكل تكل الأجزاء من بعض الصفحات ثم ذهبت أزف البشرى بها إلى علامة الوقت وبحاثة العصر الشيخ عبد المجيد سليم مفتي الديار المصرية سابقا لما أعرف فيه PageV00P002 من صادق الحب لشيخ الإسلام ابن تيمية واتباعه له وعظيم حرصه على مؤلفاته وقوة امتزاجه بعلم شيخ الإسلام وفقهه لطول مدارسته لكتبه وشدة عكوفه عليها فما كاد يراها حتى طرب لها كذلك أشد الطرب به ولكنه عاد حزينا على ما فيها من تلك المواضع الضائعة ثم استبقاه عنده فقرأه وأعجب به أشد الإعجاب وقال «هذا خير ما ألف في العقود وينبغي البحث عن نسخة أخرى لتكملة نقصه وتصحيح أغلاطه والمبادرة بطبعه لشدة حاجة الدارسين اليوم إليه» ثم أعطاه للأستاذ الشيخ علي الخفيف أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول فقرأه هو كذلك معجبا به وقال «إن هذا الكتاب يحقق نظرية العقد على أحدث الدراسات وإن من الواجب المبادرة بطبعه لحاجة الطلاب والأساتذة والقضاة والمحامين إليه».