[هل مكتوب على كل فرج ناكحه؟]
والمقصود أنه يوجد في عبارات هؤلاء إطلاق اللوح والقلم والملائكة ونحو ذلك من عبارات المسلمين ولكن المراد بها عندهم ما هو من دين الصابئة، وليس من دين المسلمين (1) .
وأما ما روي: «أنه مكتوب على كل فرج ناكحه» فليس صحيحا أيضا (2) . وليس هو من جنس كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن لا ريب أن الله PageV01P138
تعالى كتب كل ما يفعله العباد قبل أن يفعلوه، فلذلك عنده. وقد ثبت أن الله يأمر الملك فيكتب على العبد كل ما يفعله قبل أن ينفخ فيه الروح (1) .
فصل
[قول القدرية من المعتزلة ونحوهم كفر وضلال. وتكفير المعين من هؤلاء ومن منكري بعض الصفات يتوقف على تحقق شروط وانتفاء موانع]
«القدرية» : من المعتزلة وغيرهم من الذين لا يقرون بأن الله خالق كل شيء، ولا أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ فإذا أطلق عليهم أنهم خارجون عن التوحيد بمعنى أنهم كذبوا بالقدر، فهذا فيه نزاع حتى في مذهب مالك والشافعي وأحمد.
و «مسألة التكفير» بإنكار بعض الصفات وإثباته (2) قد كثر فيها الاضطراب.
وتحقيق الأمر فيها: أن الشخص المعين الذي ثبت إيمانه لا يحكم بكفره إن لم تقم عليه حجة يكفر بمخالفتها، وإن كان القول كفرا في نفس الأمر بحيث يكفر بجحوده إذا علم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قاله. فقد أنكر طائفة من السلف بعض حروف القرآن؛ لعدم علمهم أنها منه فلم يكفروا. وعلى هذا حمل المحققون حديث الذي قال لأهله: «إذا أنا مت فأحرقوني» فإنه كان جاهلا بقدرة الله إذا فعل ذلك.
وليس كل جهل بعض ما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - يكفر؛ ولهذا قال السلف من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر. ولا يكفرون المعين الذي يقول ذلك؛ لأن ثبوت حكم التكفير في حقه متوقف على تحقق شروط وانتفاء موانع؛ PageV01P139
فلا يحكم بكفر شخص بعينه إلا أن يعلم أنه منافق بأن قامت عليه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها ولم يقبلها.
لكن قول هؤلاء المعتزلة وأشباههم هو بلا شك من الكفر والضلال (1) .
$ [الأسباب لا تنكر، لكن هنا ثلاثة أمور ... ]
ومع علم المؤمن أن الله رب كل شيء ومليكه فلا ينكر ما خلقه الله من الأسباب فينبغي أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور:
أحدها: أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب؛ بل لا بد معه من أسباب أخر، ومع هذا فلها موانع.
الثاني: لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب لا يعلم، فمن أثبت سببا بلا علم أو بخلاف الشرع كان مبطلا كمن يظن أن النذر سبب في رفع البلاء.
الثالث: أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ شيء منها سببا للدنيا، إلا أن تكون مشروعة؛ فإن العبادة مبناها على الإذن من الشارع، فلا يجوز أن يشرك بالله فيدعو غيره وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه.
وكذلك لا يعبد الله بالبدع وإن ظن في ذلك ثوابا؛ فإن الشيطان قد يعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك وقد يحصل له بالكفر والفسق والعصيان بعض أغراضه فلا يجوز له ذلك (2) .
وقد تنازع الناس في الدعاء مطلقا. PageV01P140
[الدعاء من أعظم الأسباب. غلط من قال: لا فائدة فيه، أو عبادة محضة، أو علامة على حصول المطلوب]
فقالت طائفة: لا فائدة فيه، وهم المتفلسفة والمتصوفة وتبعهم طائفة من المؤمنين بالشرائع قالوا: إنه عبادة محضة.