[العهد بالخلافة لأبي بكر]
ولا ريب أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده» إنما كان أراد أن يكتب لأبي بكر رضي الله عنه العهد بالخلافة بعده، كما فسر ذلك في حديث عائشة رضي الله عنها يوم الخميس، قال لها: «ادعي لي أباك وأخاك أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف الناس بعدي» ثم أعلم أن الله يأبى ذلك والمؤمنون إلا أبا بكر. وذلك لما أنه كان قد نصب لهم من العلامة على خلافته من الصلاة بالناس إماما، وسد خوخة غيره، وإخباره بحبه أكثر من غيره، وغير ذلك من العلامات. ثم قال عمر رضي الله عنه: «نسخ الله كتابه ذلك عن الناس» وإلا فما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يترك حكم الله ولا يبلغه لقول عمر.
وقول ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وما جعلنا PageV01P110
الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [60/17] المراد به في حق من شك في خلافة أبي بكر. وصدق ابن عباس رضي الله عنهما، فإنها رؤيا حق من شاء الله فتنته. وأما من أراد الله هداه فذلك خير لمزيد اجتهاده وموافقته الحق. والله يبتلي العباد بما يشاء، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (1) .
[إنزال السكينة على أبي بكر تبع]
{فأنزل الله سكينته عليه} [40/9] قال (2) : على أبي بكر. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أنزلت عليه السكينة: قلت: وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية -قدس الله روحه- يذهب إلى خلاف هذا ويقول: الضمير عائد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أصلا وإلى صاحبه تباعا، فهو الذي أنزلت عليه السكينة، وهو الذي أيده الله بالجنود وسرى ذلك إلى صاحبه (3) .
فصل
[عمر محدث والصديق أكمل]
قال ابن القيم رحمه الله:
المرتبة الرابعة مرتبة التحديث، وهذه دون مرتبة الوحي الخاص، وتكون دون مرتبة الصديقين، كما كانت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنه كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في هذه الأمة فعمر بن الخطاب» .
وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله يقول: جزم بأنهم كائنون في الأمم قبلنا، وعلق وجودهم في هذه الأمة ب «إن» PageV01P111
الشرطية مع أنها أفضل الأمم؛ لاحتياج الأمم قبلنا إليهم، واستغناء هذه الأمة عنهم بكمال نبيها ورسالته، فلم يحوج الله الأمة بعده إلى محدث ولا ملهم، ولا صاحب كشف ولا منام، فهذا التعليق لكمال الأمة واستغنائها لا لنقصها.
والمحدث هو الذي يحدث في سره وقلبه بالشيء فيكون كما يحدث به.
قال شيخنا: والصديق أكمل من المحدث؛ لأنه استغنى بكمال صديقيته ومتابعته عن التحديث والإلهام والكشف، فإنه سلم قلبه وسره وظاهرة وباطنه للرسول فاستغنى به عما منه.
قال: وكان هذا المحدث يعرض ما يحدث به على ما جاء به الرسول؛ فإن وافقه قبله وإلا رده. فعلم أن مرتبة الصديقية فوق مرتبة التحديث.