باب الهبة والعطية
وإعطاء المرء المال ليمدح به ويثني عليه مذموم. وإعطاؤه لكف الظلم والشر عنه ولئلا ينسب إلى البخل مشروع؛ بل هو محمود مع النية الصالحة. PageV04P108
والإخلاص في الصدقة ألا يسأل عوضها دعاء من المعطي، ولا يرجو بركته وخاطره ولا غير ذلك من الأقوال، قال الله تعالى: {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} (1) .
وحكى أحمد في رواية مثنى عن وهب قال: ترك المكافأة من التطفيف، وقاله مقاتل، وكذا اختار شيخنا في رده على الرافضي أن من العدل الواجب مكافأة من له يد أو نعمة ليجزيه بها (2) .
وجوز الحارثي تجويزها على شرط واختاره الشيخ تقي الدين. ذكره عنه في الفائق (3) .
ولا توقيتها. وذكر الحارثي الجواز، واختاره الشيخ تقي الدين (4) .
وأن شرط رجوعها إلى المعمر بكسر الميم عند موته، أو قال هي لآخرنا موتا صح الشرط. هذه إحدى الروايتين اختاره الشيخ تقي الدين (5) .
وإن شرط ثوابا مجهولا لم تصح. وعنه أنه إذا قال: يرضيه بشيء فيصح، وذكره الشيخ تقي الدين ظاهر المذهب (6) .
لا يصح الإبراء من الدين قبل وجوبه. وجزم جماعة بأنه تمليك، ومنع بعضهم أنه إسقاط وأنه لا يصح بلفظ الإسقاط، ومنع أيضا أنه لا يعتبر قبوله، وقال: العفو عن دم العمد تمليك أيضا. إن وجدت قضاء PageV04P109
فاقض وإلا فأنت في حل. قال في الفروع: وهذا متجه واختاره شيخنا (1) .
واشتراط القدرة على التسليم هنا فيه نظر. بخلاف البيع.
وتصح هبة المجهول كقوله: ما أخذت من مالي فهو لك، أو من وجد شيئا من مالي فهو له. وفي جميع هذه الصور يحصل الملك بالقبض ونحوه.
وللمبيح أن يرجع فيما قال قبل التمليك. وهذا نوع من الهبة يتأخر القبول فيه عن الإيجاب كثيرا وليس بإباحة (2) .
قال أبو العباس: ويظهر لي صحة هبة الصوف على الظهر قولا واحدا. وقاسه أبو الخطاب على البيع (3) .
وإن حملوا الجهاز مع البنت إلى بيتها على الوجه المعروف فهو تمليك لها. فلا تقبل دعوى أمها أن الجهاز ملكها. وليس للأم الرجوع به، ولا للأب أيضا بعد أن تعلقت رغبة الزوج وزوجت على ذلك (4) .
ومن وهب لابنه هبة ثم تصرف فيها فادعى أنه ملكه تضمن ذلك الرجوع؛ لأنه أقر إقرارا لا يملك إنشاءه (5) .
ومن اشترى عبدا فوهبه شيئا حتى أثرى، ثم ظهر أنه كان حرا فله أن يأخذ منه ما وهبه لما كان ظانا أنه عبده (6) . PageV04P110
لو تباريا وكان لأحدهما دين مكتوب فادعى استثناءه بقلبه ولم يبرئه منه قبل قوله. ولخصمه تحليفه. ذكره الشيخ تقي الدين رحمه الله (1) .
فصل
ويجب التعديل في عطية أولاده على حسب ميراثهم، وهو مذهب أحمد، مسلما كان الولد أو ذميا.
ولا يجب على المسلم التسوية بين أولاده من أهل الذمة، ولا يجب التسوية بين سائر الأقارب الذين لا يرثون كالأعمام والإخوة مع وجود الأب. ويتوجه في ولد البنين التسوية كآبائهم. فإن فضل - حيث منعناه- فعليه التسوية أو الرد، وينبغي أن يكون على الفور. وإذا سوى بين أولاده في العطاء فليس له أن يرجع في عطية بعضهم.
والأحاديث والآثار تدل على وجوب التعديل بينهم في غير التمليك أيضا، وهو في ماله، ومنفعته التي ملكهم، والذي أباحهم كالمسكن، والطعام.
ثم هنا نوعان: نوع يحتاجون إليه من النفقة في الصحة والمرض ونحو ذلك. فتعديله بينهم فيه أن يعطي كل واحد ما يحتاج إليه. ولا فرق بين محتاج قليل أو كثير.