[شهادة أهل الذمة على المسلمين في غير السفر]
وهل يعدى هذا إلى جميع مواضع الحاجة؟ فيه عن أحمد روايتان، بناء على أن العلة معلومة وهي موجودة في غير هذا الموضع. هذا وجه القول بالجواز. وأما وجه المنع: فإما أن نقول: لم تعلم العلة وأنها مشتركة، أو علمنا اختصاصها بهذه الصورة للضرورة العامة فيها. هذا إذا ثبت عموم المنع في غير هذه الصورة إما لفظا وإما معنى. وألفاظ القرآن لا عموم فيها بالمنع. وكذلك السنة ليس فيها لفظ عام بالمنع. لم يبق إلا القياس. وتلك المواضع أمر فيها بإشهاد المسلمين، ومعلوم أن ذاك
إنما هو عند القدرة على إشهادهما وهذا واجب في الوصية في السفر. وأما إذا تعذر إشهادهما على الدين في السفر أو على الرجعة فليس في
القرآن ما يدل على المنع من ذلك. وإذا لم يكن في الكتاب والسنة منع من إشهاد أهل الذمة عند تعذر إشهاد المسلمين لم يكن هنا قياس يخالف هذه الآية وقد عمل بها الصحابة وجمهور التابعين.
والذين لم يعملوا بها ليس معهم في خلافها لا نص ولا إجماع ولا قياس. وقد تأولوها بأنها حدس من غير أصل يسلم. وبعضهم قال: نقيس. وقال بعضهم: الشهادة باليمين.
والأقوال الثلاثة باطلة من وجوه كثيرة.
وقول من قال: لا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين بحال. ليس معهم بذلك نص ولا قياس؛ ولكن كثير من الناس يغلطون لأنهم يجعلون الخاص من الشارع عاما. والله أمر بإشهاد المسلمين على المسلمين إذا أمكن فظن من ظن أن هذا يقتضي أن لا يشهد غيرهم ولو لم يوجد مسلم. وباب الشهادات مبناها على الفرق بين حال القدرة وحال العجز؛ ولهذا قبل شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال، وقد نص أحمد على شهادتين في الجراح وغيرها إذا اجتمعن ولم يكن عندهن رجال، مثل اجتماعهن في الحمامات والأعراس ونحو ذلك. وهذا هو الصواب؛ فإنه لا نص ولا إجماع ولا قياس يمنع شهادة النساء في مثل ذلك وليس في الكتاب والسنة ما منع شهادة النساء في العقوبات مطلقا.
وأما إذا نذر ذبح ولده أو نفسه فأحمد اتبع ما ثبت عن ابن عباس وهو مقتضى القياس والنص. فإن كان قادرا كان عليه كبش، وإن تلف المال فعليه كفارة يمين. وهو أصح الروايات عن أحمد، وهو الذي
صرح به في مواضع. وقيل: عليه كفارة يمين في الجميع. وقيل: لا
شيء عليه وذلك أن من نذر نذرا فعليه النذر أو بدله في الشرع، وهناك
تعذر النذر وانتقل إلى البدل الشرعي وهو الكبش كما في نظائره. فليس هنا ما يخالف القياس الصحيح.
وهذا الباب باب تدبر العموم والخصوص من ألفاظ الشرع ومعانيه التي هي علل الأحكام هي الأصل الذي تقرر فيه شرائع الإسلام -والله أعلم-، والحمد لله، وصلى الله على محمد وآله (1) .
قال شيخنا رضي الله عنه: والذي قيست عليه الحيل الربوية وليست مثله نوعان: