ولفظ (العلة) مجمل يراد به المؤثر في الوجود، ويراد به الملزوم، فإذا سلم الاقتران. (4) في الثاني لم يسلم الاقتران. (5) في الأول، فلا يعرف في الوجود مؤثر في وجود غيره مقارن له في الزمان من كل وجه، [بل] (6) لا بد أن يتقدم عليه زمانا، ولا بد أن يحصل وجوده بعد عدم، ولهذا جعل الفلاسفة العدم من جملة المبادئ، كما قد ذكرنا كلامهم.
ومما يمثلون به حصول الصوت مع الحركة كالطنين مع [النقرة] (7) ، وأن المسبب هنا مع السبب، وهذا أيضا ممنوع، فإن وجود الحركة التي هي PageV01P283
سبب الصوت يتقدم وجود الصوت، [وإن كان وجود الصوت] (1) متصلا بوجود الحركة لا ينفصل عنه لكن المقصود أنه لا يكون إلا بعده، وليس أول زمن الحركة يكون أول زمن الصوت، بل لا بد من وجود الحركة والصوت يعقبها، ولهذا يعطف المسبب على السبب بحرف الفاء الدالة على التعقيب، فيقال: كسرته فانكسر، وقطعته فانقطع، ويقال: ضربته بالسيف فمات، أو فقتلته، وأكل فشبع، وشرب فروي، وأكل حتى شبع، وشرب حتى روي، ونحو ذلك، فالكسر والقطع فعل يقوم بالفاعل مثل أن يضربه بيده أو بآلة معه، فإذا وصل إليه الأثر انكسر وانقطع، فأحدهما يعقب الآخر لا يكون أول زمان هذا أول زمان هذا ولا آخر زمان هذا آخر زمان هذا، بل يتقدم زمان السبب، ويتأخر زمان المسبب.
ولهذا تنازع الناس في المسبب المتولد عن فعل الإنسان، فقالت طائفة: هو فعله، وقالت طائفة: هو فعل الرب، وقالت طائفة: بل الإنسان مشارك في فعله، وهو حاصل بفعله وبسبب آخر، مثل خروج السهم من القوس، ومثل حصول الشبع والري بالأكل والشرب.
ولولا تقدم السبب على المسبب لم يحصل هذا النزاع، فإن السبب حاصل في العبد في محل قدرته وحركته، والمسبب حاصل في غير محل قدرته وحركته، ومن هذا الباب حركة الكم مع حركة اليد وحركة آخر الحبل مع حركة أوله، ونظائره كثيرة.
فعلم أنهم لم يجدوا في الوجود مفعولا يكون زمانه زمان فاعله بلا (2) PageV01P284
تأخر أصلا لا مع الاتصال، ولا مع الانفصال، كما يدعونه في فعل رب العالمين خالق كل شيء ومليكه من أن السماوات لم تزل معه مقارنة له في الزمان، زمان وجودها هو زمان وجوده لا يجوز أن يتقدم عليها بشيء من الزمان ألبتة.
وأما ما ذكره من كون العلم علة للعالمية، فهذا أولا قول مثبتي الأحوال كالقاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى (1) ، وقبلهما أبو هاشم، وجمهور النظار يقولون: إن العلم هو العالمية، وهذا هو الصواب، وعلى قول أولئك فلا يقولون إن العلم هنا علة فاعلة لا بإرادة، ولا بذات، ولا بغير ذلك، بل المعلول عندهم لا يوصف بالوجود فقط، ومعنى العلة عندهم الاستلزام، وهذا لا نزاع فيه.