والمقصود هنا أنهم أفسدوا الأدلة السمعية بما أدخلوه فيها من القرمطة وتحريف الكلم عن مواضعه، كما أفسدوا الأدلة العقلية (2) بما أدخلوه فيها من السفسطة وقلب الحقائق المعقولة عما هي عليه وتغيير فطرة الله التي فطر الناس عليها، ولهذا يستعملون الألفاظ المجملة والمتشابهة ; لأنها أدخل في التلبيس والتمويه مثل لفظ (التأثير) ، (والاستناد) ليقولوا: ثبت أن (3) ما هو ممكن الثبوت لما هو هو يجوز (4) استناده إلى مؤثر يكون دائم الثبوت مع الأثر، والمراد في الأصل الذي قاسوا عليه على قولهم: إنه عدم لازم لوجوده في الفرع أنه مبدع لمبدع ومخلوق لخالق، فأين هذا الاستناد من هذا الاستناد. وأين هذا التأثير من هذا التأثير.
الوجه التاسع (5) : أن يقال: حقيقة هذه الحجة هي قياس مجرد بتمثيل PageV01P279
مجرد خال عن الجامع، فإن المدعي يدعي أنه لا يشترط في فعل الرب تعالى أن يكون بعد عدم، كما أن صفاته لازمة لذاته بلا سبق عدم، وصاغ ذلك بقياس شمول بقوله: (إن التأثير لا يشترط فيه سبق العدم) .
فيقال له لا نسلم أن بينهما قدرا مشتركا. كما يدل عليه ما ذكرته من اللفظ، بل لا نسلم أن بينهما قدرا مشتركا يخصهما، بل القدر المشترك الذي بينهما يتناول كل لازم لكل ملزوم، فيلزمه أن يجعل كل لازم مفعولا لملزومه، وإن سلمنا أن بينهما قدرا مشتركا، فلا نسلم أنه مناط الحكم في الأصل حتى يلحق به الفرع.
وإن ادعى ذلك دعوى كلية، وصاغه بقياس (1) شمول قيل له: الدعوى الكلية لا تثبت بالمثال الجزئي، فهب أن ما ذكرته في الأصل أحد أفراد هذه القضية الكلية، فلم قلت: إن سائر أفرادها كذلك؟ غايتك أن ترجع إلى قياس التمثيل، ولا حجة معك على صحته هنا، ثم بعد هذا نذكر نحن الفروق الكثيرة المؤثرة، وهذا الوجه يتضمن الجواب من وجوه متعددة.