فصل كلام الرافضي أن عمر رضي الله عنه كان يضطرب في الأحكام
فصل (1)
قال الرافضي (2) : " وكان يضطرب في الأحكام فقضى في الجد بمائة قضية " (3) .
والجواب: أن عمر - رضي الله عنه - أسعد الصحابة المختلفين في الجد بالحق؛ فإن الصحابة في الجد مع الإخوة على قولين: أنه يسقط الإخوة، وهذا قول أبي بكر وأكثر الصحابة، كأبي بن كعب، وأبي موسى، وابن عباس، وابن الزبير، ويذكر عن أربعة عشر منهم، وهو مذهب أبي حنيفة، وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، كابن سريج من أصحاب الشافعي، وأبي حفص البرمكي من أصحاب أحمد، ويذكر هذا رواية عن أحمد.
وهذا القول هو الصحيح، فإن نسبة بني الإخوة من الأب إلى الجد، كنسبة الأعمام بني الجد إلى الجد أبي الأب، وقد اتفق المسلمون على أن الجد أبا الأب أولى من الأعمام، فيجب أن يكون الجد أبو الأب أولى من الإخوة.
وأيضا فإن الإخوة لو كانوا لكونهم يدلون ببنوة الأب بمنزلة الجد، لكان أبناؤهم، وهم بنو الإخوة، كذلك. فلما كان أولادهم ليسوا PageV06P096
بمنزلتهم، علم أنهم لا يتقدمون ببنوة الأب، ألا ترى أن الابن لما كان أولى من الجد كان ابنه [- ابن الابن -] (1) بمنزلته؟
وأيضا فإن الجدة كالأم، فيجب أن يكون الجد كالأب، ولأن الجد يسمى أبا، وهذا القول هو إحدى الروايتين عن عمر.
والقول الثاني: أن الجد يقاسم الإخوة، وهذا قول علي وزيد وابن مسعود، وروي عن عثمان القولان، ولكنهم مختلفون في التفصيل (2) اختلافا متباينا.
وجمهور أهل هذا القول على مذهب زيد، كمالك والشافعي وأحمد، وأما قول علي في الجد فلم يذهب إليه أحد من أئمة الفقهاء، وإنما يذكر عن ابن أبي ليلى أنه كان يقضي به، ويذكر عن علي فيه أقوال مختلفة، فإن كان القول الأول هو الصواب، فهو قول لعمر، وإن كان الثاني فهو قول لعمر.
وإنما نفذ قول زيد في الناس لأنه كان قاضي عمر، وكان عمر ينفذ قضاءه (3) في الجد لورعه، لأنه كان يرى أن الجد كالأب مثل قول أبي بكر، فلما صار جدا تورع (4) وفوض الأمر في ذلك لزيد.
وقول القائل: " إنه قضى في الجد بمائة قضية ".
إن صح هذا، لم يرد به أنه قضى في مسألة واحدة بمائة قول؛ فإن هذا غير ممكن، وليس في مسائل الجد نزاع أكثر مما في مسألة الخرقاء PageV06P097
أم وأخت وجد، والأقوال فيها ستة، فعلم أن المراد به إن كان صحيحا: أنه قضى في مائة حادثة من حوادث الجد، وهذا مع أنه ممكن، لكن لم يخرج قوله عن قولين أو ثلاثة، وقول علي مختلف أيضا.
وأهل الفرائض يعلمون هذا وهذا، مع (1) أن الأشبه أن هذا كذب، فإن وجود جد وإخوة في الفريضة قليل جدا في الناس، وعمر إنما تولى عشر سنين، وكان قد أمسك عن الكلام في الجد.
وثبت عنه في الصحيح أنه قال: " ثلاث وددت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بينهن لنا: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا " (2) . ومن كان متوقفا لم يحكم فيها بشيء.
ومما يبين هذا أن الناس إنما نقلوا عن عمر في فريضة واحدة قضاءين. قضى (3) في المشركة، فروي عنه بالإسناد المذكور في كتب أهل العلم أنه قضى فيها مرة بعدم التشريك، وهذا قول علي، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل في المشهور عنه.
وقضى في نظيرها في العام الثاني بالتشريك، وقال: ذلك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي، وهذا قول زيد، وهو قول مالك والشافعي؛ فإنهما وغيرهما مقلدان لزيد في الفرائض، وهي رواية حرب، عن أحمد بن حنبل.