العالم شيء قديم مساوق لله، كما تقوله الفلاسفة القائلون بقدم الأفلاك، وأنها مساوقة لله في وجوده، فإن هذا ليس من أقوال المسلمين.
الاستطراد في الرد على قول الفلاسفة بقدم العالم
مجمل الرد على قول الفلاسفة بقدم العالم
وقد بينا فساد قول هؤلاء في [غير] (1) هذا الموضع، وبينا أن قولهم بأن المبدع علة تامة موجب بذاته هو نفسه يستلزم فساد قولهم، فإن العلة التامة تستلزم معلولها، فلا يجوز أن يتأخر عنها شيء من معلولها.
فالحوادث مشهودة في العالم، فلو كان الصانع موجبا بذاته علة تامة مستلزمة لمعلولها لم يحدث شيء من الحوادث في الوجود إذ الحادث يمتنع (2) أن يكون صادرا عن علة تامة أزلية، فلو كان العالم قديما لكان مبدعه علة تامة، والعلة التامة لا يتخلف عنها شيء من معلولها، فيلزم من ذلك أن لا يحدث في العالم شيء، فحدوث الحوادث دليل على أن فاعلها ليس بعلة تامة في الأزل، وإذا (3) انتفت العلة التامة في الأزل بطل القول بقدم شيء من العالم لكن هذا لا ينفي أن الله لم يزل متكلما إذا شاء، ولم يزل حيا فعالا لما يشاء.
مناقشة الفلاسفة تفصيلا على قولهم بقدم العالم
وعمدة الفلاسفة على قدم العالم هو قولهم يمتنع (4) حدوث الحوادث بلا سبب حادث، فيمتنع تقدير ذات معطلة (5) عن الفعل لم تفعل، ثم فعلت من غير حدوث سبب.
وهذا القول لا يدل على قدم شيء بعينه من العالم لا الأفلاك، ولا PageV01P148
غيرها إنما يدل على أنه لم يزل فعالا، وإذا (1) قدر أنه فعال لأفعال تقوم بنفسه أو مفعولات حادثة شيئا بعد شيء كان ذلك وفاء بموجب هذه الحجة مع القول بأن كل ما سوى الله محدث [مخلوق] (2) بعد أن لم يكن، [كما أخبرت الرسل أن الله خالق كل شيء] (3) ، وإن كان النوع لم يزل متجددا، كما في الحوادث المستقبلة كل منها حادث [مخلوق] (4) ، وهي لا تزال تحدث شيئا بعد شيء.
قال هؤلاء: والله قد (5) أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش، وأخبر أنه خالق كل شيء، ولا يكون المخلوق إلا مسبوقا [بالعدم] (6) ، فالقرآن يدل على أن كل (7) ما سوى الله مخلوق مفعول محدث.
فليس شيء من الموجودات مقارنا لله تعالى، كما يقوله [دهرية] (8) الفلاسفة: إن العالم معلول له، وهو موجب له مفيض له، وهو متقدم (9) عليه بالشرف، والعلية (10) ، والطبع، وليس متقدما عليه بالزمان، فإنه لو كان PageV01P149
علة تامة موجبة يقترن بها معلولها - كما زعموا - لم يكن في العالم شيء محدث، فإن ذلك المحدث لا يحدث عن علة تامة أزلية يقارنها معلولها، فإن المحدث المعين لا يكون أزليا.
وسواء قيل. إنه حدث بوسط أو بغير وسط (1) - كما يقولون: إن الفلك تولد عنه بوسط عقل، أو عقلين، أو غير ذلك مما يقال - فإن كل قول يقتضي أن يكون شيء (2) من العالم قديما لازما لذات الله فهو باطل ; لأن ذلك يستلزم كون البارئ موجبا بالذات بحيث يقارنه (3) موجبه إذ لولا ذلك لما قارنه بذلك الشيء، ولو كان موجبا بالذات لم يتأخر عنه شيء من موجبه ومقتضاه، فكان يلزم أن لا يكون في العالم شيء محدث.