[التعليق على قوله أن الله هو المخصوص بالأزلية والقدم]
وأما قوله: " إنهم اعتقدوا أن الله هو المخصوص بالأزلية والقدم " (4) . PageV02P120
فيقال: أولا: جميع المسلمين يعتقدون أن كل ما سوى الله مخلوق حادث بعد أن لم يكن، وهو المختص بالقدم والأزلية.
ثم يقال: ثانيا: الذي جاء به الكتاب والسنة هو توحيد الإلهية (1) ، فلا إله إلا هو، فهذا هو التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، كما قال تعالى: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} [سورة البقرة: 163] ، وقال تعالى (2) : {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد} [سورة النحل: 51] ، وقال: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [سورة الأنبياء: 25] .
ومثل هذا في القرآن كثير، كقوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} [سورة محمد: 19] ، وقوله: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} [سورة الصافات: 35] .
وبالجملة فهذا أول ما دعا إليه الرسول [وآخره] (3) ; حيث قال: " «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا (4) لا إله إلا الله وإني رسول الله» " (5) . PageV02P121
وقال لعمه أبي طالب: " «يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» " (1) وقال: " «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» " (2) .
وقال: " «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» " (3) .
وكل هذه الأحاديث في الصحاح. PageV02P122
وهذا من أظهر ما يعلم [بالاضطرار] (1) من دين النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو توحيد الإلهية: أنه لا إله إلا الله (2) .
وأما كون القديم الأزلي واحدا، فهذا اللفظ لا يوجد لا في كتاب [الله] ولا في سنة [نبيه] (3) ، بل (4) ولا جاء اسم " القديم " في أسماء الله تعالى، وإن كان من أسمائه " الأول ".
والأقوال نوعان: فما كان منصوصا في الكتاب [والسنة] (5) ، وجب الإقرار به على كل مسلم، وما لم يكن له أصل في النص والإجماع، لم يجب قبوله ولا رده حتى يعرف معناه.
فقول القائل: القديم الأزلي واحد، وإن الله مخصوص بالأزلية والقدم، لفظ مجمل. فإن أراد به أن الله بما يستحقه من صفاته اللازمة له هو القديم الأزلي دون مخلوقاته، فهذا حق. ولكن هذا مذهب أهل السنة والجماعة.
وإن أراد به أن القديم الأزلي هو الذات التي لا صفات لها: لا حياة \ 8 11) (6) ولا علم ولا قدرة ; لأنه لو كان لها صفات (7) لكانت قد شاركتها في القدم، ولكانت إلها مثلها. PageV02P123
[فهذا الاسم هو اسم للرب (1) الحي العليم القدير، ويمتنع حي لا حياة له، وعليم لا علم له، وقدير لا قدرة له، كما يمتنع مثل ذلك في نظائره.
وإذا قال القائل: صفاته زائدة على ذاته، فالمراد أنها زائدة على ما أثبته النفاة، لا أن في نفس الأمر ذاتا مجردة عن الصفات وصفات زائدة عليها، فإن هذا باطل.
ومن حكى عن أهل السنة أنهم يثبتون مع الله ذواتا قديمة بقدمه، وأنه مفتقر إلى تلك الذوات، فقد كذب عليهم. فإن للنظار في هذا المقام أربعة أقوال: ثبوت الصفات، وثبوت الأحوال، ونفيهما جميعا، وثبوت الأحوال دون الصفات (2) PageV02P124
فالأول: قول جمهور نظار المثبتة الصفاتية، يقولون: إنه عالم بعلمه، وقادر بقدرته، وعلمه نفس عالميته، وقدرته نفس قادريته.