[فصل الرد على قول الرافضي إن الله لا يفعل لغرض ولا حكمة]
وأما قوله: " وذهبوا إلى أنه لا يفعل لغرض، بل كل أفعاله لا لغرض من الأغراض ولا لحكمة ألبتة (4) ". PageV01P454
فيقال له:
أما تعليل أفعاله وأحكامه بالحكمة، ففيه قولان مشهوران لأهل السنة، والنزاع في كل مذهب من المذاهب الأربعة، والغالب عليهم عند الكلام في الفقه وغيره التعليل. وأما في الأصول فمنهم من يصرح بالتعليل ومنهم من يأباه، وجمهور أهل السنة على إثبات الحكمة والتعليل في أفعاله وأحكامه.
وأما لفظ الغرض فالمعتزلة تصرح، به وهم من القائلين بإمامة أبي بكر وعمر وعثمان [رضي الله عنهم] (1) . وأما الفقهاء ونحوهم فهذا اللفظ يشعر عندهم بنوع من النقص: إما ظلم وإما حاجة، فإن كثيرا من الناس إذا قال: فلان له غرض في هذا، أو فعل هذا لغرضه، أرادوا أنه فعله لهواه ومراده المذموم، والله منزه عن ذلك. فعبر أهل السنة بلفظ الحكمة والرحمة والإرادة ونحو ذلك مما جاء به النص. [وطائفة من المثبتين للقدر من المعتزلة يعبرون بلفظ الغرض أيضا، ويقولون: إنه يفعل لغرض، كما يوجد ذلك في كلام طائفة من المنتسبين إلى السنة] (2) .
وأما قوله: " إنه يفعل الظلم والعبث " (3) .
فليس في أهل الإسلام من يقول: إن الله يفعل ما هو ظلم (4) منه ولا عبث منه. تعالى الله عن ذلك. PageV01P455
بل الذين يقولون: إنه خالق كل شيء [من أهل السنة والشيعة] (1) .
يقولون: إنه خلق أفعال عباده، فإنها من جملة الأشياء، ومن المخلوقات ما هو مضر لبعض الناس، ومن ذلك الأفعال (2) التي هي ظلم من فاعلها وإن لم تكن ظلما من خالقها، كما أنه إذا خلق فعل العبد الذي هو صوم لم يكن هو صائما، وإذا خلق فعله الذي هو طواف لم يكن هو طائفا، وإذا خلق فعله الذي هو ركوع وسجود لم يكن هو راكعا ولا ساجدا (3) ، وإذا خلق جوعه وعطشه لم يكن جائعا ولا عطشانا؛ فالله تعالى إذا خلق في محل صفة أو فعلا لم يتصف هو بتلك الصفة ولا ذلك الفعل، إذ لو كان كذلك لاتصف بكل ما خلقه من الأعراض.
ولكن هذا الموضع زلت فيه الجهمية من المعتزلة، ومن اتبعهم من الشيعة الذين يقولون: ليس لله كلام إلا ما خلقه في غيره، وليس له فعل إلا ما كان منفصلا عنه، فلا (4) يقوم به عندهم لا فعل ولا قول، وجعلوا (5) كلامه الذي يكلم (6) به ملائكته وعباده، والذي كلم به موسى، والذي أنزله على عباده، هو ما خلقه في غيره.
فيقال لهم (7) : الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل PageV01P456
لا على غيره (1) فإذا خلق حركة في محل كان ذلك المحل هو المتحرك بها لم يكن المتحرك بها هو الخالق لها. وكذلك إذا خلق لونا أو ريحا أو علما أو قدرة في محل، كان ذلك المحل هو المتلون بذلك اللون، المتروح بتلك الريح، العالم بذلك العلم، القادر بتلك القدرة. فكذلك إذا خلق كلاما في محل، كان ذلك المحل (2) هو المتكلم بذلك الكلام، وكان ذلك الكلام كلاما لذلك المحل لا لخالقه، فيكون الكلام الذي سمعه موسى وهو قوله {إنني أنا الله} [سورة طه: 14] كلام الشجرة لا كلام الله، لو كان ذلك مخلوقا.
واحتجت المعتزلة وأتباعهم الشيعة (3) على ذلك بالأفعال، فقالت: كما أنه عادل محسن بعدل وإحسان يقوم بغيره، فكذلك هو متكلم بكلام يقوم بغيره. وكان هذا حجة على من سلم الأفعال لهم كالأشعري ونحوه، فإنه ليس عنده فعل يقوم به، بل يقول: الخلق هو المخلوق لا غيره، وهو قول طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، وهو أول قولي القاضي أبي يعلى.