فصل قال الرافضي الإجماع إما أن يعتبر فيه قول كل الأمة ومعلوم أنه لم يحصل والرد عليه
فصل
قال الرافضي (2) : " وأيضا الإجماع إما أن يعتبر فيه قول كل الأمة، ومعلوم أنه لم يحصل، بل ولا إجماع أهل المدينة أو بعضهم، وقد أجمع أكثر الناس على قتل عثمان ".
والجواب: أن يقال أما الإجماع على الإمامة، فإن أريد به الإجماع الذي ينعقد به الإمامة، فهذا يعتبر فيه موافقة أهل الشوكة بحيث يكون متمكنا بهم من تنفيذ مقاصد الإمامة حتى إذا كان رءوس الشوكة عددا قليلا، ومن سواهم موافق لهم حصلت الإمامة بمبايعتهم له. هذا هو الصواب الذي عليه أهل السنة وهو مذهب الأئمة كأحمد وغيره.
وأما أهل الكلام فقدرها كل منهم بعدد، وهي تقديرات باطلة.
وإن أريد به الإجماع على الاستحقاق والأولوية، فهذا يعتبر فيه إما الجميع وإما الجمهور وهذه الثلاثة حاصلة في خلافة أبي بكر.
وأما عثمان فلم يتفق على قتله إلا طائفة قليلة، لا يبلغون نصف عشر عشر عشر الأمة؛ كيف وأكثر جيش علي والذين قاتلوه والذين قعدوا عن القتال لم يكونوا من قتلة عثمان؟ وإنما كان قتلة عثمان فرقة يسيرة من عسكر علي. PageV08P356
والأمة كانوا في خلافة عثمان مئي ألوف (1) ، والذين اتفقوا على قتله الألف أو نحوهم، وقد قال عبد الله بن الزبير يعيب قتلة عثمان: " خرجوا عليه كاللصوص من وراء القرية، وقتلهم الله كل قتلة، ونجا من نجا منهم تحت بطون الكواكب ".
فصل قال الرافضي كل واحد من الأمة يجوز عليه الخطأ فأي عاصم لهم عن الكذب عند الإجماع والرد عليه
فصل
قال الرافضي (2) : " وأيضا كل واحد من الأمة يجوز عليه الخطأ، فأي عاصم لهم عن الكذب عند الإجماع؟ ".
والجواب: أن يقال: من المعلوم أن الإجماع إذا حصل [حصل له] من الصفات ما ليس للآحاد (3) ، لم يجز أن يجعل حكم الواحد الاجتماع، فإن كل واحد من المخبرين يجوز عليه الغلط والكذب، فإذا انتهى المخبرون إلى حد التواتر امتنع عليهم الكذب والغلط.
وكل واحد من اللقم والجرع والأقداح لا يشبع ولا يروي ولا يسكر؛ فإذا اجتمع من ذلك عدد كثير أشبع وأروى وأسكر، وكل واحد من الناس لا يقدر على قتال العدو فإذا اجتمع طائفة كثيرة قدروا على القتال؛ فالكثرة (4) تؤثر في زيادة القوة وزيادة العلم وغيرهما؛ ولهذا قد يخطئ PageV08P357
الواحد والاثنان في مسائل الحساب؛ فإذا كثر العدد امتنع ذلك فيما لم يكن يمتنع في حال الانفراد. ونحن نعلم بالاضطرار أن علم الاثنين أكثر من علم أحدهما إذا انفرد وقوتهما أكثر من قوته؛ فلا يلزم من وقوع الخطأ حال الانفراد وقوعه حال الكثرة.
قال تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [سورة البقرة: 282] .
والناس في الحساب قد يخطئ الواحد منهم ولا تخطئ الجماعة كالهلال فقد يظنه الواحد هلالا وليس كذلك؛ فأما العدد الكثير فلا يتصور فيهم الغلط.
ونعلم أن المسلمين إذا اجتمعوا وكثروا يكون داعيهم إلى الفواحش والظلم أقل من داعيهم إذا كانوا قليلا فإنهم في حال الاجتماع لا يجتمعون على مخالفة شرائع الإسلام كما يفعله الواحد والاثنان؛ فإن الاجتماع والتمدن لا يمكن إلا مع قانون عدلي فلا يمكن أهل مدينة أن يجتمعوا على إباحة ظلم بعضهم بعضا مطلقا ; لأنه لا حياة لهم مع ذلك، بل نجد الأمير إذا ظلم بعض الرعية فلا بد أن يكون بعض أصحابه لا يظلم حين يظلم الرعية، وما استووا كلهم [فيه] (1) فليس فيه ظلم من بعضهم لبعض ومعلوم أن المجموع قد خالف حكمه حكم الأفراد سواء كان اجتماع أعيان أو أعراض.