بسم الله الرحمن الرحيم
ما تقول السادة العلماء، أئمة الدين -رضي الله عنهم أجمعين-:
- في الموجودات إن كانت من العدم؛ فكيف يكون وجود من عدم؟
- وعن أي شيء صدرت الموجودات بعد أن لم تكن؟
- وهل صدورها عن محض المشيئة الأزلية؟
- وما الدليل القاطع العقلي على حدوث العالم؟
أفيدونا مأجورين -غفر الله لكم أجمعين-. PageV01P039
[نص الجواب]
أجاب الإمام شيخ العلماء وعالم المشايخ الربانيين، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية؛ فقال:
الحمد لله رب العالمين.
[«الموجودات وجدت من عدم» كلام مجمل]
قول القائل: «إن الموجودات، أو إن المخلوقات وجدت أو كانت من عدم»، كلام مجمل.
ولا يوجد مثل هذا القول في كلام الله، ولا كلام رسوله، ولا كلام أحد من سلف الأمة وأئمتها؛ وإنما يوجد هذا في كلام طوائف من أهل الكلام.
وسأبين إن شاء الله مقصودهم وتنازعهم في هذا الموضع، مع أن غالب عباراتهم فيها يقولون فيها: (وجدت عن عدم)، و(هي موجودة عن عدم)، و(وجود عن عدم).
وحرف (عن) أبعد عن الالتباس من لفظ (من)؛ فإن (عن) للمجاورة بخلاف (من) فإنها تكون لابتداء الغاية.
والذي في القرآن: إخباره بأنه خلق الإنسان ولم يكن شيئا، وإنكاره أن يكون مخلوقا من غير شيء، قال تعالى لزكريا لما قال: {رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا} PageV01P041 قال: {كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} (¬1).
دله بأنه قد خلقه من قبل ولم يكن شيئا على أنه أيضا قادر على أن يخلق ولده وإن كان شيخا كبيرا.
ولذلك قال في السورة: {ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا • أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} (¬2).
فلما [تنكر] (¬3) الإنسان الكافر للمعاد وتعجب وقال: {أإذا ما مت لسوف أخرج حيا} قال تعالى: / (¬4) {أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} فإذا كان سبحانه قد خلقه ولم يك شيئا، وابتدأه على غير مثال؛ فكيف لا يقدر على إعادته؟!
ومن المستقر في بدائة العقول: أن الإعادة أهون من الابتداء، ولهذا قال تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض} (¬5)، وإن كان للناس في قوله: {وهو أهون عليه} كلام ليس هذا موضعه. فإن قوله: {وله المثل الأعلى} كقوله: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى} (¬6)، وهو بيان لأنه سبحانه لا يدخل هو والمخلوقات في قياس تمثيل يستوي فيه الأصل والفرع، ولا في قياس شمول يستوي أفراده، وإن كان من الناس من يزعم: أن اسم القياس لقياس الشمول حقيقة، وللتمثيل مجاز؛ كما يزعم ابن حزم (¬7) وغيره من أهل المنطق. ومنهم من يقول: بل اسم القياس PageV01P042 للتمثيل حقيقة، ولقياس الشمول مجاز؛ كما يقوله الغزالي (¬1) وأبو محمد المقدسي (¬2) وغيرهما من أهل الفقه والأصول.
وأكثر الناس يجعلون القياس لهذا وهذا؛ كما يدل على ذلك كلام السلف، وعليه استعمال أكثر أهل العلم.
ومنهم من يسمي التمثيل: القياس الشرعي، والشمول: القياس العقلي، وهو غلط؛ كونه شرعيا وعقليا إنما هو نسبة إلى الجهة التي يعلم بها صحته، والقياس سواء علم صحته بالشرع أو بالعقل؛ فهو ينقسم إلى قياس شمول وقياس تمثيل.