النهي عن موالاة الكفار ومودتهم
وقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] (5) وقال سبحانه: {ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم} [المجادلة: 14] (6) يعيب بذلك المنافقين الذين تولوا اليهود. . . إلى قوله: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} [المجادلة: 22] إلى قوله: {أولئك حزب الله} [المجادلة: 22] (7) .
وقال تعالى: PageV01P181
{إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا (1) بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله (2) والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 72] إلى قوله: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 73]
إلى قوله: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} [الأنفال: 75] (3) .
فعقد سبحانه الموالاة بين المهاجرين والأنصار، وبين من آمن (4) بعدهم وهاجر (5) وجاهد إلى يوم القيامة.
والمهاجر: من هجر ما نهى الله عنه (6) والجهاد باق إلى يوم القيامة (7) . PageV01P182
فكل شخص يمكن أن يقوم به هذان الوصفان، إذ كان كثير (1) من النفوس اللينة تميل إلى هجر السيئات دون الجهاد، والنفوس القوية قد تميل إلى الجهاد دون هجر السيئات، وإنما عقد (2) الموالاة لمن جمع (3) الوصفين، وهم أمة محمد (4) حقيقة.
وقال: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون - ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} [المائدة: 55 - 56] (5) ونظائر هذا في غير موضع من القرآن: يأمر سبحانه بموالاة المؤمنين حقا - الذين هم حزبه وجنده - ويخبر أن هؤلاء لا يوالون الكافرين ولا يوادونهم.
والموالاة (6) والموادة: وإن كانت متعلقة بالقلب، لكن المخالفة في الظاهر (7) أعون (8) على مقاطعة الكافرين ومباينتهم. PageV01P183
ومشاركتهم في الظاهر: إن لم تكن (1) ذريعة أو سببا قريبا أو بعيدا إلى نوع ما من الموالاة (2) والموادة، فليس فيها مصلحة المقاطعة والمباينة، مع أنها تدعو إلى نوع ما من المواصلة - كما توجبه الطبيعة (3) وتدل عليه العادة - ولهذا كان السلف رضي الله عنهم يستدلون بهذه الآيات على ترك الاستعانة بهم في الولايات.
فروى الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن أبي موسى (4) رضي الله عنه قال: " قلت لعمر رضي الله عنه: إن لي كاتبا نصرانيا قال: ما لك؟ قاتلك الله، أما سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} [المائدة: 51] (5) ألا اتخذت حنيفا؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، لي كتابته وله دينه. قال: PageV01P184
لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله " (1) ولما دل عليه معنى الكتاب: وجاءت (2) سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين، التي أجمع الفقهاء عليها بمخالفتهم وترك التشبه بهم.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (3) أمر بمخالفتهم؛ وذلك يقتضي أن يكون جنس (4) مخالفتهم أمرا مقصودا للشارع؛ لأنه: إن كان الأمر بجنس المخالفة حصل المقصود، وإن كان الأمر بالمخالفة في تغيير الشعر فقط، فهو لأجل ما فيه من المخالفة فالمخالفة: إما علة مفردة (5) أو علة (6) أخرى، أو بعض علة، وعلى (7) التقديرات (8) تكون مأمورا بها مطلوبة PageV01P185