ثم الجهل أو الظلم: يحمل على ذم (1) إحدهما (2) أو تفضيلها بلا قصد صالح، أو بلا علم، أو بلا نية وبلا علم (3) .
وأما اختلاف التضاد فهو: القولان المتنافيان: إما في الأصول وإما في الفروع، عند الجمهور الذين يقولون: " المصيب واحد "، وإلا فمن قال: " كل مجتهد مصيب " فعنده: هو (4) من باب اختلاف التنوع، لا اختلاف التضاد فهذا الخطب فيه أشد؛ لأن القولين يتنافيان؛ لكن نجد كثيرا من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه فيه (5) حق ما، أو معه دليل يقتضي حقا ما، فيرد الحق في الأصل هذا (6) كله، حتى يبقى هذا مبطلا في البعض (7) كما كان الأول مبطلا في الأصل (8) كما رأيته لكثير من أهل السنة في مسائل القدر والصفات والصحابة، وغيرهم.
وأما أهل البدعة: فالأمر فيهم ظاهر (9) وكما (10) رأيته لكثير من PageV01P151
الفقهاء، أو لأكثر المتأخرين في مسائل الفقه، وكذلك (1) رأيت الاختلاف كثيرا بين بعض المتفقهة، وبعض المتصوفة، وبين فرق (2) المتصوفة، ونظائره كثيرة.
ومن جعل الله له هداية ونورا رأى من هذا ما يتبين له (3) به منفعة ما جاء في الكتاب والسنة: من النهي عن هذا وأشباهه، وإن كانت القلوب الصحيحه تنكر هذا (4) ابتداء، لكن نور على نور (5) .
وهذا القسم - الذي سميناه: اختلاف التنوع - كل واحد من المختلفين مصيب فيه بلا تردد، لكن الذم واقع على من بغى على الآخر فيه، وقد دل القرآن على حمد كل واحد من الطائفتين في مثل ذلك (6) إذا لم يحصل (7) بغي كما في قوله: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} [الحشر: 5] (8) .
وقد كانوا (9) اختلفوا في قطع الأشجار فقطع قوم وترك آخرون.
وكما في قوله: PageV01P152
{وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين - ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء: 78 - 79] (1) فخص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالعلم والحكم.
وكما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم - يوم بني قريظة (2) - (3) لمن صلى العصر في وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة (4) . PageV01P153
وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ (1) فله أجر» (2) . . ونظائره كثيرة.
وإذا جعلت هذا (3) قسما آخر صار الاختلاف ثلاثة أقسام (4) .
وأما القسم الثاني من الاختلاف المذكور في كتاب الله: فهو ما حمد فيه إحدى الطائفتين، وهم المؤمنون، وذم فيه الأخرى (5) كما في قوله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} [البقرة: 253] (6) إلى قوله: PageV01P154
{ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا} [البقرة: 253] (1) .
فقوله: {ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر} [البقرة: 253] حمد لإحدى الطائفتين - وهم المؤمنون - وذم للآخرى، وكذلك قوله: {هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار} [الحج: 19] إلى قوله (2) {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [الحج: 23] (3) مع ما ثبت في الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه: " أنها نزلت في المقتتلين (4) يوم بدر: علي (5) وحمزة (6) PageV01P155