وقوله: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} [الأنعام: 159] (1) .
وكذلك وصف (2) اختلاف النصارى بقوله: {فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون} [المائدة: 14] (3) .
ووصف (4) اختلاف اليهود بقوله: {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} [المائدة: 64] (5) وقال: {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} [المؤمنون: 53] (6) .
وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما وصف أن الأمة تفترق (7) على ثلاث وسبعين فرقة؛ قال: «كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة» (8) وفي الرواية الأخرى: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (9) . PageV01P147
فبين: أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين، إلا فرقة واحدة، وهم أهل السنة والجماعة.
وهذا الاختلاف المذموم من الطرفين يكون سببه تارة: فساد النية؛ لما في النفوس من البغي والحسد وإرادة العلو في الأرض (1) ونحو ذلك، فيجب (2) لذلك ذم قول غيرها، أو فعله، أو غلبته ليتميز (3) عليه، أو يحب قول من يوافقه في نسب أو مذهب (4) أو بلد أو صداقة، ونحو ذلك، لما في قيام قوله من حصول الشرف والرئاسة (5) وما أكثر هذا من بني آدم، وهذا ظلم.
ويكون سببه - تارة - (6) جهل المختلفين بحقيقة الأمر الذي يتنازعان فيه، أو الجهل بالدليل الذي يرشد به أحدهما الآخر، أو جهل (7) أحدهما بما مع الآخر من الحق: في الحكم، أو في الدليل، وإن كان عالما بما مع نفسه من الحق حكما ودليلا.
والجهل والظلم: هما أصل كل شر، كما قال سبحانه: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72] (8) .
أنواع الاختلاف
أما أنواعه: فهو (9) في الأصل قسمان: PageV01P148
اختلاف تنوع (1) واختلاف تضاد.
واختلاف التنوع على وجوه: منه: ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقا مشروعا، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة، حتى زجرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) وقال: «كلاكما محسن» (3) .
ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، والتشهدات، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، وتكبيرات الجنازة (4) إلى غير ذلك مما قد (5) شرع (6) جميعه، وإن كان قد يقال إن بعض أنواعه أفضل.
ثم نجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف؛ ما أوجب اقتتال طوائف منهم (7) على شفع الإقامة وإيثارها، ونحو ذلك، وهذا عين المحرم ومن لم يبلغ هذا المبلغ؛ فتجد كثيرا منهم في قلبه من (8) الهوى لأحد (9) هذه الأنواع والإعراض عن الآخر (10) أو النهي عنه، ما دخل (11) به فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. PageV01P149
ومنه: ما يكون كل من القولين هو في (1) معنى قول الآخر؛ لكن العبارتان مختلفتان، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود (2) وصيغ (3) الأدلة، والتعبير عن المسميات، وتقسيم الأحكام، وغير ذلك ثم الجهل أو الظلم (4) يحمل على حمد (5) إحدى المقالتين وذم الأخرى.
ومنه ما يكون المعنيان غيرين (6) لكن لا يتنافيان؛ فهذا قول صحيح، وهذا (7) قول صحيح (8) وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر، وهذا كثير في المنازعات جدا (9) .
ومنه ما يكون طريقتان مشروعتان، ورجل (10) أو قوم قد سلكوا هذه الطريق، وآخرون قد سلكوا الأخرى، وكلاهما حسن في الدين. PageV01P150