الاستدلال من السنة على النهي عن اتباع الكافرين
ثم هذا الذي دل عليه الكتاب (1) من مشابهة بعض هذه الأمة للقرون الماضية في الدنيا وفي الدين، وذم من يفعل ذلك، دلت عليه - أيضا - سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأول الآية - على ذلك (2) - أصحابه رضي الله عنهم.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم: ذراعا بذراع، وشبرا بشبر، وباعا بباع، حتى لو أن أحدا من أولئك دخل حجر ضب لدخلتموه - قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: {كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة} [التوبة: 69] الآية - قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب؟ قال: فهل الناس إلا هم؟» (3) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية أنه قال: ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا (4) بهم؟ (5) . PageV01P124
وعن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه قال: " أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا وهديا تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟ ".
وعن حذيفة بن اليمان (1) رضي الله عنه قال: " المنافقون الذين منكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا: وكيف؟ قال: أولئك كانوا يخفون نفاقهم وهؤلاء أعلنوه (2) " (3) .
وأما السنة: فجاءت بالإخبار بمشابهتهم في الدنيا، وذم ذلك، والنهي عن ذلك (4) وكذلك في الدين.
فأما (5) الأول: الذي هو الاستمتاع بالخلاق (6) PageV01P125
ففي الصحيحين عن عمرو بن عوف (1) «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح (2) إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي (3) فقدم أبو عبيدة (4) بمال من البحرين (5) فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع PageV01P126
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف، فتعرضوا له في (1) فتبسم (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم، ثم (3) قال: " أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين فقالوا: أجل يا رسول الله فقال: أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها، كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم» (4) .
فقد أخبر (5) صلى الله عليه وسلم أنه لا يخاف (6) فتنة الفقر، وإنما يخاف بسط الدنيا وتنافسها، وإهلاكها، وهذا هو الاستمتاع بالخلاق المذكور في الآية.
وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر (7) (8) «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما، PageV01P127
فصلى على أهل أحد صلاته على (1) الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: " إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض - أو مفاتيح الأرض - وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا (2) فيها» (3) .
وفي رواية: «ولكني (4) أخشى عليكم الدنيا (5) أن تنافسوا فيها وتقتتلوا، فتهلكوا (6) كما هلك من كان قبلكم» قال عقبة: فكان آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر " (7) . PageV01P128