والله سبحانه له حقوق (3) لا يشركه فيها غيره، وللرسل حقوق لا يشركهم فيها غيرهم، وللمؤمنين بعضهم على بعض (4) حقوق مشتركة؛ ففي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت ردف (5) النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على عباده (6) .؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " حقه عليهم: أن يعبدوه (7) لا يشركوا به شيئا. يا معاذ، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " حقهم عليه أن لا يعذبهم» (8) . PageV02P364
أصل التوحيد الذي بعثت به الرسل وأنزلت به الكتب
فالله تعالى مستحق أن نعبده لا نشرك به شيئا، وهذا هو أصل التوحيد الذي بعثت به الرسل، وأنزلت به الكتب، قال الله تعالى {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} [الزخرف: 45] (1) .
وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] (2) وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36] (3) .
ويدخل في ذلك أن لا نخاف إلا إياه، ولا نتقي إلا إياه، كما قال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} [النور: 52] (4) . فجعل الطاعة لله وللرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده.
وكذلك قال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} [التوبة: 59] (5) . فجعل الإيتاء لله وللرسول.
كما قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] (6) فالحلال ما حلله الرسول، والحرام: ما حرمه الرسول، والدين: ما شرعه الرسول.
وجعل التحسب بالله وحده، فقال تعالى: {وقالوا حسبنا الله} [التوبة: 59] ولم يقل ورسوله. كما قال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] (7) . PageV02P365
وقال تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} [الأنفال: 64] (1) أي حسبك وحسب من اتبعك: الله، فهو وحده كافيكم (2) ومن ظن أن معناها: حسبك الله والمؤمنون، فقد غلط غلطا عظيما من وجوه كثيرة مبسوطة في غير هذا الموضع (3) .
ثم قال: {وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله} [التوبة: 59] (4) فجعل الفضل لله، وذكر الرسول في الإيتاء، لأنه لا يباح إلا ما أباحه الرسول، فليس لأحد أن يأخذ ما تيسر له إن لم يكن مباحا في الشريعة.
ثم قال: {إنا إلى الله راغبون} [التوبة: 59] (5) فجعل الرغبة إلى الله وحده، دون ما سواه؛ كما قال (6) {فإذا فرغت فانصب - وإلى ربك فارغب} [الشرح: 7 - 8] (7) فأمر بالرغبة إليه. ولم يأمر الله قط مخلوقا أن يسأل مخلوقا، وإن كان قد أباح في موضع من المواضع ذلك (8) لكنه لم يأمر به، بل الأفضل للعبد أن لا يسأل قط إلا الله.
كما ثبت في الصحيح في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» (9) فجعل PageV02P366
من صفاتهم أنهم لا يسترقون: أي لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم، ولم يقل: لا يرقون. وإن كان ذلك قد روي (1) في بعض طرق مسلم (2) فهو غلط، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رقى نفسه وغيره، لكنه لم يسترق، فالمسترقي طالب للدعاء من غيره؛ بخلاف الراقي غيره، فإنه داع له.