بسم الله الرحمن الرحيم
سئل شيخ الإسلام، أبو العباس أحمد بن تيمية [وذلك في سنة ثمان وتسعين وستمائة، وجرى بسبب هذا الجواب أمور ومحن، وهو جواب عظيم النفع جدا. فقال السائل:]
ما قولكم في آيات الصفات كقوله تعالى: {الرحمن على العرش
استوى} [طه: 5] ، وقوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} [فصلت: 11] ، إلى غير ذلك من الآيات وأحاديث الصفات؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن» وقوله: «يضع الجبار قدمه في النار» إلى غير ذلك من الأحاديث [وما قالت العلماء، وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى؟] فأجاب:
[الحمد لله رب العالمين] قولنا فيها ما قاله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره، فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وشهد له بأنه بعثه داعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا، وأمره أن يقول: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} [يوسف: 108] .
إحكام الرسول صلى الله عليه وسلم باب الإيمان بالله اعتقادا وقولا
] :
فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج [الله] به الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على
بصيرة، وقد أخبر أنه أكمل له ولأمته دينهم، وأتم عليهم نعمته محال مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبسا مشتبها، فلم يميز [بين] ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وما يجوز عليه وما يمتنع عليه.
فإن معرفة هذا أصل الدين، وأساس الهداية، وأفضل ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس، وأدركته العقول، فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الكتاب اعتقادا وقولا؟! ومن المحال أيضا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد علم أمته كل شيء حتى الخراءة، وقال: «تركتكم على
البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» ، وقال فيما صح عنه أيضا: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على
خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم» .
وقال أبو ذر رضي الله عنه: «لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما» .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم [مقاما] فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ
ذلك من حفظه ونسيه من نسيه» رواه البخاري.