مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله ملء السماوات وملء الأرض وملء ما يشاء بعد هذه الأشياء، وأشكر له شكرا يكون جميع المخلوقات حتى الهباء بالنسبة إليه كذرة بالنسبة إلى كل أجزاء الأرض والسماء، ثم ألتجئ من الاستحباء إلى حصن: لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، يا من آلاؤه علي بلا إحصاء، وأكمل الصلاة وأدومها على رسوله محمد قدوة الأنبياء، ومتمم مكارم الأخلاق، ومسدد الملة العوجاء، والتحية والرضوان على آله وأصحابه، وأزواجه وأولاده، ومن اقتدى به إلى يوم الفصل والقضاء.
أما بعد:
فقد ألح علي زمرة خلاني وثلة خلصائي أن أشرح لهم كتاب "المصابيح" تصنيف الإمام الهمام ولي الإنعام على أهل الإسلام، ركن الشريعة، محيي السنة، أبي محمد، الحسين بن مسعود الفراء، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين الخير وأرضاه، وجعل الجنة مأواه، وطلبوا أن لا يكون مطولا مملا، ولا مختصرا مخلا، فأجبتهم إلى ذلك، وأوردت في أول الكتاب مقدمة في اصطلاحات أصحاب الحديث، وأنواع علوم الحديث، وأوردت فيه كل راو لم يكن مذكورا في متن "المصابيح"، وتركت ذكر من هو مذكور فيه، وسميته بكتاب: PageV01P003
المفاتيح في شرح المصابيح
وأستوهب من ربي الكريم الوهاب أن يسدد لساني، ويهديني إلى سبيل الصواب، فإنه إن أعانني ربي يتيسر لي كل مستصعب عسير، وإلا فلا أقدر على ما يقدر عليه من الكلام طفل صغير، ولا يأتي مني قليل ولا كثير، ولا نقير ولا قطمير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي الكبير، ولا حول عن معصيته إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بإعانته.
أما المقدمة في معرفة أنواع علم الحديث: فأنواع علم الحديث عشرون نوعا:
النوع الأول: اشتراط الإسناد، وهو شيء عظيم القدر عند أصحاب الحديث، والإسناد من الدين.
قال عبد الله بن المبارك: لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
ودخل الزهري على إسحاق بن أبي فروة يوما، فجعل إسحاق يقول: قال رسول الله عليه السلام كذا، قال رسول الله عليه السلام كذا، فقال الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروة ما أجرأك على الله! ألا تسند حديثك؟! تحدثنا بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة.
يعني: كل حديث ليس له إسناد كجمل ليس له زمام وليس له مالك معين ضال في البادية، وقد جاء الحديث بالنهي عن أخذ الجمل الضال في البادية، فكذلك الحديث إذا لم يكن مرويا عن رسول الله - عليه السلام - بإسناد صحيح، أو لم يكن مكتوبا في كتاب صنفه إمام معتبر لم يجز قبول ذلك الحديث، لأن النبي - عليه السلام - قال: "اتقوا الحديث مني إلا ما علمتم، فمن كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار". PageV01P004
فقد قيد - عليه السلام - رواية الحديث عنه بالعلم، وكل حديث ليس له إسناد، ولا هو منقول في كتاب مصنفه معتبر، لا تعلم رواية ذلك الحديث عن رسول الله عليه السلام، وإذا لم تعلم روايته عن رسول الله عليه السلام، فلا يجوز قبوله.
وإذا ثبت اشتراط الإسناد فمعلوم أن كل حديث إسناده أعلى، فهو أقوى، وبالقبول أحرى، وعلو الإسناد يكون بقلة العدد، فكل حديث بين راويه وبين رسول الله أقل عددا، فهو أعلى من حديث بين روايه وبين الرسول أكثر عددا.
وقد يكون بشهرة الراوي بعلم الحديث، وكل حديث يروى عن رجل مشهور بعلم الحديث، فهو أقوى من حديث يروى عن رجل غير مشهور بعلم الحديث، وإن كان الرجل الذي ليس مشهورا بعلم الحديث أقرب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الرجل الذي هو مشهور بعلم الحديث.