بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين (أ)
الحمد لله مانع اللأواء ومانح النعماء، الذي جلت أياديه على العلماء، حتى امتازوا عن غيرهم بما وهب لهم من النور والضياء.
أحمده على ما علم وأفهم، وأشكره على جزيل ما من به وأنعم، حمد معترف له بجلائل النعم، مستغفر له من سوء ما زلت به القدم.
والصلاة والتسليم (ب) على سيدنا محمد أكرم المرسلين إلى أكرم الأمم، وأشرف من سعت به في طاعة ربه ساق وقدم، وعلي آله وأصحابه أهل الفضل والكرم، السابقين في حلبة مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد -فهذا- إن شاء الله عز وجل - إملاء نافع وتأليف جامع، يشتمل على شرح الأحاديث الأربعين التي جمعها الشيخ الإمام العالم الفاضل محيي الدين أبو زكريا يحيى النواوي رضي الله عنه وعن سائر علماء المسلمين. إذ كانت كالمعين والينبوع لعلم الأصول والفروع، موضحا لما تضمنته من المشكلات والغوامض، كاشفا عما اشتملت عليه من السنن والفرائض، باحثا عن ألفاظها ومعانيها، مستخرجا (ج) لأسرارها المودعة فيها، PageV01P001 # جاليا لعرائسها على الخطاب، مبرزا لنفائسها من وراء حجاب الخطاب، صادعا عن الحق بالبرهان، ملغيا لما ألغاه الدليل فوهن وهان، معتمدا في ذلك على ما قيل عن أهل الفضائل والعقول: العلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول. وأرجو من الله عز وجل أن يأتي هذا الإملاء بحرا يقذف ليتائم درره وينافس (أ) في لآلئه وجواهره، وأن يكون كالقاعدة الكلية للدين، والمرتع المري والمشرب الروي لطلبة المسلمين، فأوصيك أيها الناظر فيه المجيل طرفه في أثنائه ومضطاويه، أن لا تسارع فيه إلى إنكار خلاف ما ألفه وهمك، وأحاط به علمك. بل أجد النظر وجدده، وأعد الفكر ثم عاوده، فإنك حينئذ جدير بحصول المراد. ومن يهد الله فما له من مضل، ومن يضلل الله فما له من هاد.
وأعلم أن الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى كان قد وعد في هذه الأربعين أن يضع لها شرحا يكون لقفلها فتحا، وإنه وفى بما وعد وسح سحابه إذ رعد.
ورأيت هذا الشرح مجلدا لطيفا يكون على التقريب والتشبيه قدر نصف أو ثلثي التنبيه (¬1). ولم يتهيأ لي أن أطالعه ولا شيئا منه فلذلك لم أعرف مقصوده (ب) فيه ومغزاه، ولم أحط بمبدأ قوله فيه ومنتهاه، غير أني التزمت PageV01P002 # في هذا الشرح ما وفقت لالتزامه، وأسأل (أ) الله عز وجل التوفيق لإتمامه، وهو أني أعمد إلى كل حديث فأتكلم عليه لفظا ومعنى من جهة اللغة، والفروع والأصول، والمعقول والمنقول، وأرد معناه إلى ما يناسبه من آي الكتاب متوخيا للتحقيق والصواب متصرفا في ذلك بقانون أصول الفقه من تخصيص عام، وتعميم خاص، وتقييد مطلق، وإطلاق مقيد، وتبيين مجمل، وغير ذلك، وإن عارض الحديث معارض من كتاب أو سنة تلطفت في دفع التناقض وكشف شبهة التعارض إلى غير ذلك من الفوائد التي تسنح في مواضعها وتجمح القريحة إلى تقريب شاسعها. كل ذلك بحسب مبلغي من العلم، وما أوتيته من الفهم. اللهم فهذا ما أملك فهب لي واستوهب لي ما لا أملك، واجعله خالصا لوجهك مقربا إليك (ب) مقبولا عندك، لا رب غيرك ولا خير إلا خيرك، والحمد لله.
القول على الخطبة (ج). وسميت خطبة لأن العرب كانوا إذا ألم بهم الخطب وهو الأمر العظيم خطبوا له، فيجتمع بعضهم إلى بعض فيحتالون في دفعه فاشتق اسم الخطبة من الخطب.