الخطبة
بسم الله الرحمن الرحيم
الله عوني وبه توفيقي «1»
أحمد الله الذي أرشدنا إلى الإسلام، وهدانا بفضله سبل السلام، وجنبنا عبادة الأوثان والأصنام، وسائر مذاهب الكفرة اللئام «2».
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ترغم أنف الكافر أشد إرغام، وتوجب لقائلها النعيم «3» في دار المقام. وأصلي على رسوله محمد، الداعي إلى أفضل دين بأشرف كلام، الباقي معجزة على ممر السنين، وتعاقب الأيام، وسلم تسليما كثيرا.
وبعد:
فإني رأيت كتابا صنفه بعض النصارى «4»، يطعن به في دين الإسلام ويقدح به في نبوة محمد- عليه أفضل الصلاة والسلام- فرأيت مناقضته «5» إلى الله PageV01P227
ورسوله قربانا «1»، ورجوت بها مغفرة من الله ورضوانا، حذرا من أن يستخف «2» ذلك بعض ضعفاء «3» المسلمين، فيورثه شكا في الدين، ولقد رأيت بعض ذلك عيانا وآنست «4» عليه دليلا وبرهانا. فأوردت مناقضته حرفا من كلامه فحرفا، وأبنت عن مقاصد السؤال والجواب على وجه لا يخفى، مع تلخيص العبارة خشية الضجر «5» والإملال «6»، وتخليص المعاني ونصوصيتها «7» خفية الإخلال PageV01P228
والاختلال. وقدمت على ذلك مقدمات كلية، تتضمن مباحث جلية، عليها ينبني معظم الجواب، وبها يتيسر ظهور الصواب. وعلى الله توكلي، وإليه المآب «1».
وتلك
المقدمات ثلاث
[المقدمة الأولى: سد باب الاستدلال بكتب أهل الكتاب]
الأولى: أن هذا النصراني رأيته يعتمد في طعنه على الإسلام، على التوراة والإنجيل «2» التي بيد اليهود والنصارى، وعلى كتب الأنبياء الأوائل/: كنبوة أشعياء «3»، وأرمياء «4»، PageV01P229
ودانيال «1» والأنبياء الاثني عشر «2»، ومزامير «3» داود، ونحوها.
واعلم أن هذه الكتب مما لا تقوم الحجة علينا بها. لأنها عندنا محرفة مبدلة «4». نعم: التبديل لم يأت على جميعها، بل دخلها في الجملة. فلهذا قال PageV01P230
نبينا محمد- عليه الصلاة والسلام-: «إذا حدثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم،" وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون «1»». فمنع من تصديقهم خشية أن يكون ما PageV01P231
حدثونا «1» به مما حرف جزما، ومن تكذيبهم خشية أن يكون مما لم يحرف «2».
عدلا منه صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن للعاقل دليل على صدقه- عليه السلام- إلا هذا لكفاه، كما قررته في التعليق على بعض كتب الأوائل «3»، وفي آخر هذا التعليق «4».
ولهذا قال علماء الحديث من المسلمين: إن الراوي إذا عرف منه الكذب يرد حديثه كله، ويصير غير موثوق به. وكذلك من اختلط ولم يتميز ما رواه قبل اختلاطه مما رواه بعده، يترك/ الكل احتياطا، وحزما في الدين.
وأيضا: كما أنهم لا يعدون كتابنا حجة عليهم، كذلك نحن لا نعد كتبهم حجة علينا وأولى، لأن كتبهم تقادم عهدها، وتعاورتها اللغات لفظا وكتابة، بخلاف كتابنا. أما «5» التهمة فهي متجهة إلينا منهم، وإليهم منا. PageV01P232
وأيضا: فإن هذا النصراني في استدلاله بما لا تقوم به الحجة علينا. إما أن يكون مع العلم بذلك فهو مغالطة ومخاتلة/ وتغابي «1»: إن قصد إقامة الحجة علينا.
وتحصيل الحاصل.
إن قصد إقامة الحجة للنصارى إذ هم «2» في ثبوتهم على دينهم «3» غنيون عن ذلك، حتى لو أراد منهم خلافه لما أطاعوه. أو مع عدم العلم فهو جهالة/ بمذهب الخصم. والعلم بما يلزم الخصم وما لا يلزمه ينبغي أن يكون مقدما على مناظرته.