المسألة الخامسة: في تحقيق القول في التحسين والتقبيح
[مفهوم التحسين والتقبيح]
أعلم أن الأصوليين تناقلوا هذه المسألة بهذه الترجمة خلفا عن سلف. وهي ترجمة مجملة لا تفيد حقيقة المقصود. ثم لما شرعوا في تلخيص محل النزاع فيها، لم يعر تلخيصهم لها عن إجمال وإبهام. وأنا أذكر معنى عبارتهم في ذلك، ثم أعقب ذلك بما يقع عليه الاختيار من كلام العلماء الأخيار. فأقول، والله المستعان:
قال ابن برهان في كتاب الاعتصام: "مذهب أهل الحق من جميع أصحابنا أن الحسن والقبيح يعرفان بالشرع. فلا حسن إلا ما حسنه الشرع، ولا قبيح إلا ما قبحه الشرع. وخالفنا في ذلك جميع المعتزلة والخوارج والروافض والكرامية والبراهمة والتناسخية والثنوية (زاد غيره: "واليهود والنصارى")، وقالوا: "بالعقل يعرف حسن الأشياء وقبحها". والشرع إذ ورد بتحسين أو تقبيح، فهو مخبر عن حكم العقل بذلك، وأمرنا الاحتراز عما قبحه".
ثم ذكر عن المعتزلة تقسيما سنذكره، إن شاء الله. ثم ذكر عبارات للمعتزلة في تعريف الحسن والقبيح. فقال بعضهم: "الحسن هو الفعل العاري عن وجوه القبح". وقيل: "ما لا يستحق فاعله الذم". قال: "وهما باطلان، بأفعال البهائم والمجانين". PageV01P079
قلت: لأن أفعالهما لا توصف بحسن ولا قبح، فهي عرية عن وجوه القبح. وكذلك هما لا يستحقان مدحا ولا ذما.
وقال الجبائي: "الحسن ما للقادر عليه فعله". قلت: وهو دوري؛ لأنا لا نعلم أن له فعله حتى نعلم حسنه. فلو عرفنا كونه حسنا بأنه عرى عن وجوه القبح وعدم استحقاق فاعله الذم، كان دورا. وإذا عرف الكلام على الحسن تعريفا وتزييفا، فالكلام على القبيح على وزانه في ذلك عكسا.
ومذهبنا: الحسن ما ورد به الشرع اقتضاء لفعله وإثناء على فاعل؛ فيتناول الواجب والمندوب. [والقبيح ما ورد به الشرع] اقتضاء لتركه وذما لفاعله؛ فيتناول الحرام والمكروه.
فإن قيل: "المباح من أحكام الشرع؛ ولو تتناوله هذه القسمة". فالجواب من وجوه. أحدها: أن المباح لوقوع التخيير فيه صار كأفعال البهائم، لا حسن ولا قبيح، ولا مدح فيه ولا ذم. ولهذا، قالت المعتزلة: "إنه ليس من أحكام التكليف؛ إذ التكليف يقتضي المشقة، ولا مشقة مع التخيير".
الثاني: قال ابن برهان: "المباح أيضا إ ن الشارع في إطلاق الثناء على فاعله. فتتناوله القسمة المذكورة". قلت: هذا إنما يتحقق على رأى الكعبيى في قوله، "كل مباح ترك حرام؛ وترك الحرام واجب". لكن هذا يوجب أنه من قسم الواجب، وأن لا مباح. بل يقال: إن فعل المباح يستلزم ترك الحرام، فيتوجه الثناء إلى فاعله من هذه الحيثية. وبالجملة، في هذا الوجه شيء.
الثالث: أن الإسفرائيني لهذا الإشكال قال: "الحسن هو المأذون فيه شرعا"؛ فيتناول المباح. فلنا أن نفسر الاقتضاء المذكور في قسمتنا بالإذن. أو نقول: الاقتضاء يتضمن PageV01P080 # الإذن. على أن على تعريف الإسفرائيني مناقشة. وهو أن المباح لا قبيح ولا حسن. والنزاع في أنه حكم شرعي أولا لفظي، كما بان في أصول الفقه.
ثم قال ابن برهان في موضع آخر: "مذهب أصحابنا أن وجوب الواجبات يعرف بالشرع. فقبل وورد الشرع، لا وجوب أصلا.
وقال جماعة من المتكلمين والفقهاء: كل حسن، فوجوبه بالعقل. ثم منها ما يجب لنفسه؛ كرد المغصوب، وإغاثة المطلوب. ومنها ما يجب لغيره؛ كالنظر، يجب لتحصيل العلم. ومنها ما يجب لكونه تركا لقبيح. قلت: هذا من قبيل ما يجب لغيره. فينحصر الواجب فيما يجب لنفسه أو لغيره.