[الوجوه النقلية التي للمعتزلة]
وأما
الوجوه النقلية التي للمعتزلة
، فمن الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب، فنحو قوله تعالى، {فتبارك الله أحسن الخالقين}؛ أثبت خالقين، وأنه أحسنهم خلقا. ونحوها من الآيات التي أضيفت الأعمال فيها إلى العباد. وبالجملة، آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد، ووصفهم بأنهم محسنون أو مسيئون. وآيات اللوم والتوبيخ لهم تدل على أنهم هو الموجدون لأفعالهم.
وأما السنة، فقوله عليه السلام: "اعملوا، فكل ميسر لما خلق له"، "نية المؤمن خير من عمله"، "إنما الأعمال بالنيات".
وأما الإجماع، فهو أن الرضا بقضاء الله واجب. فلو كان الكفر والمعاصي مخلوقة لله ولا مقتضيا له. PageV01P188
والجواب عن آي الكتاب أنها راجعة إلى الكسب؛ أو أن خلق الله للمعاصي جعل أمارة على توجه اللوم والتوبيخ إليهم، بناء على تكليف ما لا يطاق، كما سبق.
ثم هي معارضة بأكثر منها، مما يدل على أن أفعال العباد مخلوقة مقدورة مقضية له سبحانه، كما سنورده، إن شاء الله.
أما قوله، {أحسن الخالقين}، فسبق أن المراد "المصورين"، أو "المقدرين"، أو على زعمكم.
وأما الأحاديث، فالمراد "بالأعمال" فيها الاكتساب أيضا. ثم إن الحديث الأول حجة لنا؛ لأنه قال: "كل ميسر لما خلق له". فدل على أن الله سبحانه خلق كل عبد لشيء، من طاعة أو معصية، وكفر أو إيمان، وجنة أو نار؛ وأنه إنما يصير إلى ذلك بتيسير الله له، وهو خلق الداعي المرجح له، وإيجاد شروط وقوعه، ونفي الصوارف عنه. وقد سلمتم أن الفعل يجب عقيب ذلك؛ فصار فعل العبد دائرا مع إرادة الله وخلقه الداعى إليه وجودا وعدما. ولا معنى للفاعل الموجد إلا ذلك. وبه احتج أبو الحسين في أحد وجوهه الضرورية على أن العبد موجد لفعله.
وأما الحديث الثاني، فإنه أضاف فيه النية إلى المؤمن، كما أضاف إليه العمل. ثم النية هي القصد والإدارة. وإدارة الإنسان وقصده ليسا مخلوقين له، باتفاق؛ فكذلك العمل.
على أن على رأي القاضي أبى بكر في أن ذات الفعل واقعة بقدرة الله سبحانه، وصفته من طاعة ومعصية بقدرة العبد، يندفع عنا إشكال الآيات والأحاديث، ولا يخرجنا عن رأينا؛ لأن النزاع معهم في ذات الفعل وصفته. فإذا سلمنا لهم أن صفة الفعل بقدرة العبد، بقي النزاع في ذاته كما كان.
وأما ما ذكروه من الإجماع، فقد سبق جوابه في مقدمات المسألة، في أن الله PageV01P189 # سبحانه مريد لجميع الكائنات. وهو أن قضاء الله حكمه؛ والكفر ونحوه واقع بحكمه وقضائه؛ فهو مقضي، لا قضاء. وإنما يجب الرضا بقضاء الله، لا بمقضيه، من الكفر والمعاصي. والمقضي هو متعلق القضاء، ومحل تأثيره. والله أعلم.
هذه أضعف ما للخصوم في المسألة من الشبه. وقد وقع الجواب عنها مبينا على أصولنا التي أحكمناها قبل بطلان التحسين والتقبيح، ووجوب رعاية المصالح، وجواز تكليف المحال.