ومنها قاعدته في الأملاك
وحاصل ما قررها به أن الأملاك في الأصل لله سبحانه؛ لأنه موجدها؛ وموجد الشيء ومخترعه أحق بملكيته من غيره. وإنما شرعت للناس استصلاحا لهم، ليتوصلوا بها إلى التوحيد وإقامة العبادات. فالمقصود منها الانتفاع المستبقى للنفوس. وهذا يقتضى أن [فى] كل موضع كان المقصود أكثر حصولا، كان الملك أولى بالثبوت.
[فروع قاعدته في الأملاك]
ثم بنى على ذلك فروعا
[استيلاء الكفار على أموال المسلمين في دار الحرب]
منها أن الكفار إذا استولوا على أموال المسلمين وأحرزوها بدار الحرب، ملكوها؛ لأنهم أوصل إلى المقصود منها؛ لاستيلائهم عليها، وتملكهم من الانتفاع بها. بخلاف المسلمين؛ فإنهم لا يتهيأ لهم بها انتفاع إلا على تقدم الحال والزمان. PageV01P155
[قسمة الغنائم في دار الحرب]
ومنها أن
قسمة الغنائم في دار الحرب
لا تجوز؛ لأن الدار دار الكفار؛ فيقدرون على استردادها غالبا. فهم أوصل إلى الانتفاع بها. بخلاف جزئيات الغنائم، كالطعام والعلف للغزاة؛ فإنه ملك الغزا، لتعجل انتفاعهم به. قال: "ولا يلزم على هذا الغاضب؛ لأنا لا نسلم أنه أوصل إلى الانتفاع بالمغصوب من المالك، لاستوائهما في الدار؛ ويرجح المالك بالملكية؛ فيمكنه الاسترداد غالبا، إما بنفسه، أو بالمرافعة إلى الإمام".
[تغيير الغاصب في المال المغصوب]
ومنها أن الغاصب إذا طحن الحنطة، أو خبزها، أو ذبح الشاة وطبخها، أو أدخل الساحة في بنائه، انقطع حق المالك من ذلك؛ لصيرورة الغاصب أوصل إلى الانتفاع منه به.
[الكلام على قاعتدته في الأملاك]
قلت: هذه قاعدة عن التحقيق قاعدة. أما أولا، فلا نسلم أن الأملاك شرعت استصلاحا للعباد فقط، بل وللامتحان لهم بالتصرف فيها؛ بدليل قوله تعالى: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون}، وقول موسى لقومه ذلك بعينه، وقول النبي عليه السلام، "إن الدنيا حلوة خضرة؛ وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون". ولهذا، جاء في الأثر، "يجمع الله سبحانه الذهب والفضة يوم القيامة جبلين. ثم يقول: هذا مالنا عاد إلينا؛ سعد به قوم، وشقى آخرون".
وإذا ثبت ذلك، لم يلزم أن يكون مقصود المال الانتفاع به، بل والتكليف بحسن PageV01P156 # التصرف فيه على ما أمر به الشرع. وحينئذ، تنهم القاعدة المذكورة؛ لأن كل من فرضناه أوصل إلى الانتفاع بمال، قلنا: هل انتفاعه به يكون مشروعا، أم لا؟ فإن كان مشروعا، ملك. وإلا، فلا. وأما ثانيا، فلا نسلم أن من كان أوصل إلى النفع كان أولى بثبوت الملك، لما ذكرناه. فالقاعدة ممنوعة بمقدمتيها.