[إنكارهم أن الجنة والنار مخلوقتان الآن]
ومنها أنهم أنكروا أن الجنة والنار مخلوقتان الآن؛ بل ستخلفان؛ لأن خلقهما قبل الحاجة إليهما عبث؛ وهو قبيح. وعندنا هما موجودتان، رأهما النبي صلى الله عليه وسلم، وصرح بوجودهما الكتاب والسنة. والعبث فيهما ممنوع؛ بل فيه ترغيب وترهيب.
هذا ما تيسر إثباته من فروع التحسين والتقبيح في أصول الدين. PageV01P114
[ثالثا: فروع التحسين والتقبيح في أصول الفقه]
وأما فروعه في أصول الفقه،
[عندهم أن شكر المنعم واجب عقلا]
فمنها أن شكر المنعم لا يجب عقلا، عندنا. وعندهم، يجب. أما وجوبه شرعا، فمتفق عليه.
[حكم الأفعال الاختيارية قبل ورود الشرع]
ومنها أن أفعال العقلاء لا حكم لها قبل ورود الشرع، عندنا. وعندهم، الأفعال الاختيارية، إما حسن بالعقل، أو قبيح، أو ما لم ينص فيه العقل بحسن ولا بقبح.
والأول واجب، أو مندوب، أو مباح. والثانى حرام، أو مكروه. والثالث، هل هو واجب، أو مباح، أو على الوقف؟ هم فيه ثلاث فرق. أما الأفعال الاضطرارية، كالتنفس ونحوه، فحسنة، قولا واحدا.
[تكليف ما لا يطاق]
ومنها مسألة
تكليف ما لا يطاق
. وبعضهم يترجمها بالتكليف بالمحال؛ وله يستعمل، لأنه أخص. ويحتاج إلى تحقيق الكلام فيها، لأن لها فروعا متعددة؛ فهي أصل لها. وإن كانت فرعا للتحسين والتقبيح، فهي أصل وسط، كالأفرع المتوسطة، كالحيوان بين الجسم النامى والإنسان.
فنقول: اعلم أن المعلوم إما ممكن، أو واجب، أو ممتنع. فالممكن ما استوت نسبته إلى الوجود والعدم؛ فيحتاج في وجوده إلى مرجح ومخصص. والواجب ما ترجح وجوده على عدمه. والممتنع ما ترجح عدمه على وجوده. ثم كل واحد من الواجب والممتنع، إما أن يكون وجوبه أو امتناعه لذاته، أو لغيره. فالواجب لذاته ما لم يقف وجوده على سبب خارج عن ذاته؛ كسائر الموجودات حال وجودها. والممتنع لذاته، كالجمع بين الضدين. والممتنع لغير نحو كل ما علم الله سبحانه أنه لا يوجد؛ كإيمان من علم أنه يموت كافرا، وهو المثال المشهور في هذا الباب.
فإذا، المحال ضربان: محال لذاته، ولغيره. وقد اختلف فيهما. فأجاز التكليف بهما PageV01P115 # قوم، ومنعه آخرون. وأجاز قوم التكليف بالثاني دون الأول. وحكي عن أبي إسحق أن التكليف نوعان: تكليف طلب واقتضاء، وهو فيما لا يطاق محال وخروج عن الحكمة؛ وتكليف تسخير وتعجيز، يعني نحو قوله: {كونوا قردة}، {كونوا حجارة أو حديدا}؛ فهو جائز عقلا. قلت: وقوله داخل في الأقوال المذكورة؛ وإنما حكيناه لما فيه من التفصيل.
وذكر [أبو الحسن] الأشعري وأكثر أصحابه على جواز تكليف المحال وجوها. أحدها أن أفعال العباد مخلوقة لله، كما سيأتى مذهبه فيه. وهم مكلفون بإيقاعها، كالصلاة وسائر العبادات؛ وذلك تحصيل الحاصل؛ وهو محال.
الثاني أن القدرة الحادثة مع المقدور؛ وهو مكللف به قبل إيقاعه؛ ولا معنى لتكليف المحال إلا التكليف بما لا قدرة للمكللف عليه. قلت: المعتزلة يمنعون المقدمتين الأوليين من هاتين الحجتين.
الثالث: عند معتزلة بغداد أن الختم والطبع مانعان من الإيمان، مع أن المطبوع على قلبه مأمور به. وهو تكليف مع عدم القدرة. قلت: إن صح هذا عن معتزلة بغداد، فجمهور المعتزلة على أن الطبع والختم تسمية العبد مطبوعا ومختوما على قلبه؛ وهو لا يمنع الإيمان عندهم. ومن أدلة السمع، قوله تعالى: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}. ولولا جوازه، لما استعاذوا منه؛ إذ الاستعاذة من المحال محال. والخصم يتأول الآية على ما فيه كلفة ومشقة. ثم هي معارضة بقوله تعالى في صدر هذه الآية بعينها، وفي غير موضع من القرآن: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}. PageV01P116