وعن الثامن: بمنع الحكم. فإن عند البعض، كمالك، وأحمد وأبي حنيفة- رضي الله عنهم- يقع الثلاث.
ولئن سلمنا: لكن إنما لا يقع الثلاث، لأن الكلام الثاني والثالث ليسا مفسرين للأول حتى يتم به، والمرأة قد بانت بالطلقة الأولى، فلم تلحقها الثانية والثالثة، بخلاف قوله: "أنت طالق طلقتين" أو "ثلاثا"، فإن الثاني تفسير للأول، والكلام إنما يتم بآخره. PageV02P422
المسألة الثانية
في بقية الحروف العاطفة
[الفاء]
فمنها "الفاء": وهي التعقيب بحسب ما يمكن.
والدليل عليه إجماع أهل اللغة.
واستدل عليه أيضا بأنها لو لم تكن للتعقيب، لما وجب دخلوها على الجزاء، إذا لم تكن جملة فعلية، لأنها حينئذ لم تكن ملائمة للدخول على الجزاء، إذ الجزاء يجب أن يوجد عقيب الشرط، وهي غير مفيدة لهذا المعنى فلا تكون ملائمة، وإذا لم تكن ملائمة لم يجب دخولها عليه كسائر الحروف، بل كان يجب أن لا يجوز دخولها عليه، كما لا يجوز دخول سائر الحروف الغير المفيدة للتعقيب، فإنه لا يجوز أن يقال: "من زارني وله درهم"، أو "ثم له درهم" أو "حتى له درهم" لكن دخولها واجب فهي للتعقيب.
لا يقال: لا نسلم أن دخولها واجب، وسنده قول الشاعر: PageV02P423
من يفعل الحسنات الله يشكرها لأنا نجيب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه شاذ معدول عن القياس لا تنخرم به القاعدة.
وثانيهما: أن بعضهم أنكره وزعم أن الرواية الصحيحة: PageV02P424
من يفعل الخير فالرحمن يشكره ..
وإذا ثبت أن الفاء للتعقيب فحيث ورد ولم تفده، كما في قوله تعالى: {وكم من قرية أهلكناهم فجاءها بأسنا} والبأس لا يتأخر عن الإهلاك، وفي قوله تعالى: {لا تفتروا على الله كذبا فسيتحكم بعذاب}، والإسحات قد يتأخر عن القرية، وقوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} والرهن قد لا يحصل عقيب المداينة، وفي قوله امرئ القيس:
بسقط/ (65/أ) اللوى بين الدخول فحومل. PageV02P425
يجب حمله على التجوز جمعا بين النقل والاستعمال. PageV02P426
[ثم]
ومنها: "ثم" وهي للتراخي، بالنقل والاستعمال.
أما النقل فظاهر، وأما الاستعمال كما في قوله تعالى: {ثم انشأناه خلقا آخر}، وقوله تعالى: {ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم إنهم ألفوا آباءهم ضالين}، {ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم} وغيرها من الآيات.
وحيث ورد للتراخي كما في قوله تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب}، وقوله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن ومن عمل صالحا ثم اهتدى} و {ثم كان من الذين آمنوا}، {ثم الله شهيد} PageV02P427 # يجب حمله على التجوز، إما بمعنى التراخي في الحكم، أو بمعنى "الواو" لما سبق.
[حتى]
ومنها: "حتى": وهى بمعنى "ثم".
إلا أنه يشترط في المعطوف بها أن يكون جزءا من المعطوف عليه، لأن العطف بها يقتضى أن يكون ما بعدها غاية لما قبلها ومخالف له في القوة والضعف، وذلك إنما يحصل إذا كان المعطوف داخلا في المعطوف عليه مثاله في القوة: "مات الناس حتى الأنبياء"، وفي الضعف "قدم الحجاج حتى المشاة". PageV02P428
[أو وأما وأم]
ومنها: "أو"
و"أما" و "أم".
وهذه الثلاثة مشتركة في أنها تقتضى إثبات الحكم فيهما لأحد المذكورين وتفترق فيما عداه.
"فأو"، و "أما" يفارقان "أم" في أنهما يدخلان في الأمر، والخبر، والاستفهام.