المسألة التاسعة
في أن استعمال اللفظ في كل واحد من صور المجاز، هل يفتقر إلى كونه مستعملا فيه من جهتهم أو لا يفتقر إلى ذلك؟
يل يكفي فيه وجود العلاقة المعتبرة في التجوز المستفادة من كلامهم، إما صريحا بأن كان منصوصا عليها نصا كليا أو ضمنيا، بأن كانت معلومة من استقراء كلامهم المجاز كما سبق في بيان جهات التجوز.
اختلفوا فيه: فمنهم من ذهب إلى اشتراطه. ومنهم من لم يشترطه، بل يشترط وجود العلاقة المعتبرة فقط. ويعرف من هذا أن مجرد العلاقة PageV02P360 # والمناسبة من غير أن يشهد باعتبارها كلامهم بالتفسير المذكور غير كافية إجماعا، وإن كان كلام بعضهم ليشعر بخلافه.
احتج الشارطون بأنه يجوز أن يستعار الأسد للرجل الشجاع لمشابهته إياه في الشجاعة، ولا يجوز أن يستعار للأبخر مع مشابهته إياه في البخر.
وكذلك يجوز اطلاق "النخلة" على الإنسان الطويل لمشاركته إياها، ولا يجوز ذلك في غيره من الأشياء الطويلة، وتخلف الحكم عن المقتضي خلاف الأصل، فهو إذن لفقده، ولأنه لو لم يشترط الاستعمال في كل واحد من الصور بل يكفي فيه حصول جهة من جهات التجوز، لجاز تسمية العشرة بالخمسة وبسائر الأجزاء، ولأنهم استعملوا اسم الجزء في الكل في غير موضع واحد، وكذا تسمية البيت بالحائط والسقف، وكذا تسمية الصيد بالشبكة، وبالعكس، والثمرة بالشجرة وبالعكس، والابن بالأب وبالعكس، لأن علاقة السببية والمسببية موجودة بينهما، وكذا تسمية ظل كل شيء باسمه لمشابهته إياه في الصورة، وهي إحدى جهات التجوز، ولما لم يجز كل ذلك علمنا أنه لابد من الاستعمال منهم أو النقل الصريح بتجويز PageV02P361 # الاستعمال
فإن قيل: لا نسلم أن ما ذكرتم يدل على مقصودكم، أما الصورتان الأوليان فإنما لم يجز الاستعارة فيهما لعدم حصول العلاقة المعتبرة في التجوز، وذلك لأن العلاقة المعتبرة في الاستعارة هي المشابهة في أشهر الصفات / (55/ب) وأخصها، و "البخر" ليس من الصفات المشهورة للأسد، والطول وحده ليس من أخص الصفات للنخلة، وإنما أطلقت على الإنسان الطويل لا لمشاركته إياها في الطول فقط، بل لمشاركته إياها في الطول وفي أمور أخر يصير المجموع أخص صفاتها، فمن تلك الأمور أنها منتصبة القامة، وأن منها ذكرا وأنثى، وأنها لا تثمر إلا بالتلقيح، وأنها لا تعيش إذا قطعت رأسها، وأن الأنثى منها يتماثل إلى الذكر على ما قيل، وبعض هذه الصفات وإن كانت قد توجد في الحيوانات التي غير الإنسان، وبعضها في الجمادات كانتصاب القامة، لكن مجموع هذه الصفات لا توجد إلا في الإنسان، ولذلك قال عليه السلام: "أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من بقية طينة آدم عليه السلام". وإذا كان كذلك فلم يدل عدم جواز الاستعارة فيهما على جواز النقل والإشارة منهم. PageV02P362
وأما الملازمة الثانية فهي ممنوعة أيضا لجواز أن يكون عدم جواز وإطلاق اسم أحدهما على الآخر لمانع، لا لتوقفه على الاستعمال فيه، ألا ترى أن PageV02P363 # الحقيقة قد لا تطرد لمانع وذلك لا يقدح في كونها مقتضيه له، وإذا كان كذلك فالمجاز أولى بأن لا يطرد لمانع، وذلك لا يقدح في العلاقة المسوغة له.
ويمكن أن يجاب عن الأول: إن الاشتهار إن اعتبر بالنسبة إلى كل أهل اللسان فهو متعذر أو متعسر، وإن اعتبر بالنسبة إلى أهل العلم والخبرة منهم فهو حاصل في البخر وأمثاله، مما لا يجوز الاستعارة بسبب الاشتراك فيه وغيرهما غير مضبوط فلا يجوز تعليق الحكم به.