المسألة الثامنة
قد عرفت مما سبق من أدلة القياس أن القياس مأمور به، فهو إذن إما واجب، أو مندوب
، لإجماع القائلين بالقياس على أنه ليس بمباح متساوي الفعل والترك، والواجب إما واجب على العين، أو على الكفاية.
ولا شك أنه ليس بواجب على العين على كل المكلفين بل على بعضهم وهو من نزل به الواقعة من المجتهدين ولم يجد فيها نصا ولا إجماعا، فإنه يتعين عليه الاجتهاد [إذ لا يجوز له ان يقلد الغير، أو نزلت بمكلف ولم يوجد هناك مجتهد إلا واحد فإنه يتعين عليه الاجتهاد].
وأما وجوبه على الكفاية فهو بالنسبة إلى المجتهدين عند نزول الواقعة بشخص دون غيرهم من سائر المكلفين، فإنه لو ترك الكل لأثموا دون غيرهم من المكلفين.
وأما ندبيته فهو أيضا بالنسبة إليهم لكن قبل نزول الواقعة [ليكون حاضر الجواب عند نزول الواقعة].
وهل يصف بكونه دينا لله تعالى؟
اختلفوا فيه:
فوصفه به بعضهم كالقاضي عبد الجبار. PageV07P3233
وأنكره بعضهم كأبي الهذيل.
وفصل بعضهم كالجبائي بين ما إذا كان واجبا، وبين ما إذا كان ندبا فوصفه بذلك فيما إذا كان واجبا دون ما إذا كان ندبا.
والحق: أنه إن عنى بكونه دينا لله أن اعتقاد التعبد به معتبر في تحقق الدين كما في الأركان الخمسة، وكما في النصوص حتى يكفر منكروه، فإن ما يكون شأنه ذلك يوصف بكونه دينا كما في قوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله} إلى قوله: {وذلك دين القيمة} فالقياس ليس بدين؛ إذ لا يكفر منكروه، وإن عنى به ما يكون مشروعا في الدين فإن غير المشروع يقال: إنه ليس من الدين كما في قوله عليه السلام: (من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد عليه) فالقياس يوصف بكونه دينا مطلقا. PageV07P3234
خاتمة
ذهب الأكثرون إلى صحة القياس في العقليات، وأنكره الغلاة من الحشوية والظاهرية، ومنكروا النظر.
ومنه نوع يسمى إلحاق الغائب بالشاهد، وبناء الغائب على الشاهد وما يجرى مجراهما.
واتفق القائلون به على أنه لا بد فيه من جامع عقلي، وإلا لكان الجمع تحكما محضا فكان باطلا، وهو كقياس أهل البدع والضلال نحو PageV07P3235 # المشبهة فإنهم قالوا: فاعل فوجب أن يكون على شكل وصورة كما في الشاهد.
ونحو الدهرية فإنهم قالوا: لا نعقل في الشاهد موجودا ليس/ (164 / أ) في الجهة ولا في الحيز، ولا في داخل العالم ولا في خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا يناسب موجودا ألبتة فوجب أن يكون في الغائب كذلك، فهذان القياسان وأمثالهما من أقيستهم خالية عن الجامع ثم حصروا الجامع في العلة، والحقيقة والشرط، والدليل.
أما الجمع بالعلة: فكقول أصحابنا: كون العالم عالما في الشاهد معلل بالعلم فوجب أن [يكون] في الغائب كذلك.
واعترض عليه بانه غير مطابق؛ لأن هذا جمع بالمعلول لا بالعلة فإنه جمع فيه بين الشاهد والغائب بكونه عالما، وهو معلول العلم لا علته.
والمثال المطابق له أن يقال على رأى أصحابنا: أن كون الشيء يصح أن يكون مرئيا في الشاهد معلل بالوجود فكذا في الغائب.
وأما الجمع بالحقيقة فكقول أصحابنا: حقيقة العالم في الشاهد من له العلم فوجب أن يكون في الغائب كذلك. PageV07P3236
[وأما الجمع بالشرط فهو أيضا كقولهم: العلم في الشاهد مشروط بالحياة، فوجب أن يكون في الغائب كذلك].