المسألة الثالثة
ذهب أصحابنا إلى أن القياس يجري في أسباب الأحكام كما يجري في الأحكام خلافا للحنفية
.
مثاله: أن نقيس اللواط على الزنا في كونه موجبا للحد، ونقيس النباش على السارق في كونه موجبا للقطع.
ووجه إيراده أن نقول: إنما كان الزنا سببا لوجوب الحد لكونه إيلاج فرج في فرج محرم قطعا، مشتهى طبعا، وهو حاصل بعينه في اللواط، فوجب جعله سببا لوجوب الحد لوجود علة السببية فيه وإن كان لا يسمى بالزنا.
ثم الدليل على جريان القياس في الأسباب هو: أن السببية حكم شرعي على ما عرف ذلك من قبل، فماذا عقلت علتها ووجد في صورة أخرى لم يتناولها النص الذى ثبت به السببية في الأصل وجب إلحاقها به لأدلة القياس PageV07P3213 # نحو قوله: {فاعتبروا}، وحديت معاذ، والوجه المعقول وأمثالها، وقياسا على الأحكام التي هي عين السببية.
فإن قلت: دليلكم على جريان القياس في الأسباب مبني على تعقل علة مستقيمة صالحة لأن تعلل بها السببية، ولا نسلم حصول هذا الشرط فيها بل هو لازم الانتفاء عندنا؛ وهذا لأن علة السببية إنما هي الحكمة، وهي ثمرة الحكم المتأخرة عن الحكم المتأخر عن السبب فلا يصلح لأن تعلل بها السببية، وإلا لزم تقدم الشيء على نفسه بمرتبتين.
سلمنا سلامتها عن هذا الطعن لكن لا تصلح للعلية من وجه آخر وهى:
كونها خفية مضطربة غير مضبوطة، ولهذا لا يجوز تعليل الحكم بها.
سلمنا حصول الشرط ودلالة ما ذكرتم من الدليل على المطلوب لكنه معارض بوجهين:
أحدهما: أنه لو جرى القياس في الأسباب لكانت الأسباب معللة بعلة ضرورة أن لا يعقل القياس بدون العلة، ولكانت تلك العلة هي الحكمة إما في أول المرتبة أو بالآخرة، وإلا لو كان لوصف آخر كان الكلام فيه كالكلام في الأول فيلزم التسلسل وهو باطل، فوجب الانتهاء بالآخرة إلى الحكمة، فثبت أنه لو جرى القياس فيها لكانت معللة بالحكمة لكن ذلك باطل؛ لأن تلك الحكمة إن كانت منضبطة بنفسها ظاهرة غير مضطربة وجوزنا تعليل الحكم بها كانت مستقلة باقتضاء الحكم المرتب على السبب فلا حاجة إلى توسط الوصف الذى هو سبب الاستغناء عنه، ولكونه قد يكون منشأ لزيادة الغلط، وإن لم يكن كذلك لم يجز تعليل السببية بها؛ لأن ذلك لم إن كان بانتفاء الضبط والظهور وحصول الاضطراب والخفاء فظاهر، وإن كان بانتفاء جواز تعليل PageV07P3214 # الحكم بها فكذلك ضرورة أن السببية حكم من أحكام الشرع.
وثانيهما: أن قياس الشيء على الشيء يقتضى أن يكون بينهما وصف مشترك هو علة الحكم ضرورة أن القياس لا يقعل بدون العلة المشتركة، فلو قسنا مثلا اللواط على الزنا في كونه موجبا للحد فلابد وأن يكون بينهما وصف مشترك هو علة للموجبة والسببية، وحينئذ يكون السبب ذلك المشترك لا الزنا على سبيل الخصوصية فيخرج كل واحد من الزنا واللواط موجبا وسببا؛ لأن الحكم لما استند إلى المشترك بينهما استحال أن يكون معه مستندا إلى خصوصية كل واحد منهما، وقد علم أن من شرط القياس بقاء حكم الأصل وهو زائل؛ لأن المقيس عليه حينئذ يخرج أن يكون مقيسا عليه، فإذن جريان القياس في الأسباب يقتضى أن لا يكون السبب الذى هو أصل سببا هذا خلف.
ولا ينقض هذا بالقياس في الأحكام؛ لأن ذلك لا ينافي كون الأصل فيه اصلا؛ لأن الأصل في قياس الأحكام غير موجب للحكم وإضافة الموجبة إلى القدر المشترك بينه وبين الفرع لا ينافي كونه اصلا بخلاف السبب فإنه موجب للحكم فإضافة الموجبة إلى القدر المشترك منافية/ (160/ 1) للإضافة إلى السبب الذى هو الأصل على سبيل الخصوصية.