وكذا لا يبعد أن يقال: إنما ردت شهادة الفاسق؛ لأن إقدامه على الفسق مع اعتقاد تحريمه يدل على جرأته على المعاصي والكذب فلا تحصل الثقة بقوله بخلاف الكافر فإنه لم يقدم عليه مع علمه بتحريمه بل يعتقد حقيته، فلا يبطل ذلك الثقة بقوله وكيف يبطل ذلك وكفره يمنعه من الكذب؛ إذ الكلام في الكافر الذي يعتقد تحريم الكذب في كفره.
وكذا لا يبعد أن يقال: إن كفر أهل الكتاب أخف من كفر الوثني، وأخذ الجزية نوع احترام وتخفيف، فلا يلزم من جواز أخذها على الكفر الأخف جواز أخذها على الكفر الأغلظ، ومع هذه الاحتمالات القريبة لا يحصل الجزم به، بل قد تحصل غلبة الظن به لبعض المجتهدين؛ ولهذا كان مختلفا فيه بين العلماء المعتبرين بخلاف القسم الأول فإنه غير مختلف فيه بينهم.
والقطعي من النوع الثاني هو مثل ما ذكرناه.
وأما الظني منه فنحو ما يقال: إنه إذا وجب الحد في الزنا فاللواطة مثله؛ إذ هو أيضا إيلاج فرج مشتهى طبعا محرم قطعا. وإذ حرم الخمر فالنبيذ مثله؛ إذ هو أيضا مسكر ففي بادئ النظر تظهر المماثلة بينهما، إذ الوصف PageV07P3172 # المناسب الظاهر مشترك بينهما، لكن لا يبعد أن يقال: إن الميل إلى الزنا لما كان عاما من الجانبين كان احتياجه إلى الزاجر أكثر من اللواطة الذي ليس كذلك.
ولما كان قليل الخمر يدعو إلى كثيرها الذي هو مكسب المفسدة كانت الحاجة إلى تحريم عينها أكثر من النبيذ الذي ليس كذلك، فمع هذا الفارق لا يمكن القطع بالإلحاق لكن يحصل الظن الغالب بالمماثلة في الحكم لبعض المجتهدين بناء على ما ذكرنا من الوصف الجامع.
وقد يكون المسكوت عنه دون المنصوص في ثبوت الحكم فيه كإلحاق التفاح بالأشياء الستة في تحريم الربا، أو إلحاق الجص أو النورة بها فيه.
واتفق الأصوليون على أنه لا مستند لثبوت الحكم في المسكوت عنه في هذا النوع الأخير إلا القياس.
وأما في النوعين الأولين فقد اختلفوا فيه:
فذهب أكثر أصحابنا إلى أن الحكم في المسكوت عنه ثابت في النوع الأول بالدلالة اللفظية.
وذهب الباقون إلى أنه ثابت بالقياس.
وأما في النوع الثاني فذهب أصحابنا إلى أن الحكم ثابت فيه بالقياس، PageV07P3173 # وذهب الحنفية إلى أنه غير ثابت بل بالاستدلال أي هو استدلال على تحرير مناط الحكم، وحذف الحشو منه عن درجة الاعتبار؛ ولهذا أوجبوا على المفطر في نهار رمضان بالأكل أو الشرب الكفارة اعتبارا بالجامع، ولكن لا بطريق القياس عليه؛ إذ القياس عندهم غير جار في الكفارات والحدود، ولكن بطريق الاستدلال.
واحتج من قال: بأن الحكم في النوع الأول ثابت بالدلالة اللفظية دون القياس بوجوه:
أحدها: أن العارف باللسان إذا سمع أمثال هذه الصيغ فإنه يتبادر إلى فهمه ثبوت الحكم في محل المسكوت كما هو في محل النطق بل بالطريق الأولى، وذلك يدل على أنها حقيقة في المجموع معا إما بحسب الوضع الأصلي أو النقل العرفي وأيما كان يحصل المقصود.
وثانيها: أن العرب وضعت هذه الصيغ لتأكيد الحكم في محل السكوت، بدليل أنهم يفزعون إليها عندما أرادوا التعبير عنه، ألا ترى أنهم إذا أرادوا التعبير على وجه المبالغة عن كون أحد الفرسين سابقا على الآخر قالوا: "إن هذا/ (151/ أ) الفرس لا يلحق غبار ذلك الفرس، وإذا أرادوا التعبير عن كون الرجل فقيرا لا شيء له قالوا: لا سبد له ولا لبدا، وقالوا: "لا يملك النقير والقطمير" أو ما يجري مجراهما، ولو كانت تلك الصيغ غير PageV07P3174 # موضوعة لذلك في لغتهم لما فزعوا إليها.