وعن وجه التفصيل بمنع قوله: أنه يجب عليه ترك أكل كل رمانة حامضة؛ وهذا لأنه يجوز أن يكون الداعي إلى الترك حموضة تلك الرمانة لا مطلق الحموضة.
فإن قيل: الداعية إلى الفعل أو الترك لا يكون إلا لغرض ولا غرض في ترك أكل رمانة لحموضتها المخصوصة.
قلنا: لو سلم لكم ذلك فإنما يتأتى ذلك في حق من أفعاله معللة بتحصيل المصالح، ودفع المفاسد، فأما بالنسبة إلى أفعال الله سبحانه وتعالى فلا نسلم ذلك؛ فإن أفعاله تعالى عندنا غير معللة بالأغراض.
سلمناه لكنه لأمر آخر غير التنصيص، ولا نزاع فيه وإنما النزاع أن مجرد التنصيص هل يدل عليه أم لا؟
سلمنا المقدمة الأولى لكن لا نسلم الفرق بين الفعل والترك.
قوله: إن أكل رمانة حامضة فإنه لا يجب عليه أكل كل رمانة حامضة. PageV07P3168
قلنا: لا نسلم ذلك لكن إنما لا يجب عليه ذلك؛ لأن شرائط العلة منقودة؛ وهذا فإن حموضتها وإن كانت علة أكلها لكن بشرط الاشتهاء الصادق، وخلو المعدة عن الرمان، وعلمه أو ظنه تضرره بأكلها وهذه الشرائط بأسرها غير حاصلة بالنسبة إلى أكل الرمانة الثانية فلذلك لم يجب أكلها. PageV07P3169
المسألة الخامسة
المسكوت عنه قد يكون أولى بالحكم من المنصوص عليه
.
أما في جانب النفي فكما في قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} فإن ضربهما الذي هو مسكوت عنه أولى بالتحريم من أف الذي هو منصوص عليه.
وأما في جانب الإثبات فكقوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} فهذه تفيد تأدية ما دون الدينار بالطريق الأولى.
وقد يكون مثله فيه من غير تفاوت ألبتة كما في قوله تعالى: {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} فإن العبيد في معناها.
وكما في قوله- عليه السلام-: (من أعتق شركا له في عبد قوم عليه نصيب شريكه) فإن الأمة في معناه في هذا الحكم. PageV07P3170
وكما في قوله - عليه السلام-: (أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق/ (150/ أ) بمتاعه) فإن المرأة في معناه.
وكما في قوله- عليه السلام-: (من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) فإن الأمة المبيعة في معناه.
وله نظائر أخر، وهذا النوع يسمى بالقياس في معنى الأصل وكل واحد من هذين النوعين ينقسم إلى قطعي، وإلى ظني أي: ما يعرف قطعا أنه أولى بالحكم أو مثله، أو يعرف ذلك ظنا.
فالقطعي من النوع [الأول] هو نحو ما ذكرناه.
وأما الظني منه فنحو ما روى عن الشافعي- رضي الله عنه- أنه قال: "إذا وجبت الكفارة في قتل الخطأ فبأن تجب في العمد بالطريق الأولى لكونه أولى بالمؤاخذة والزجر".
ونحو ما يقال: أنه إذا وجبت الكفارة في غير يمين الغموس مع أنه اثمه أقل فلأن تجب في يمين الغموس بالطريق الأولى، وإذا ردت شهادة الفاسق فالكافر أولى؛ لأن الكفر فسق وزيادة، وإذا أخذت الجزية من الكتابي فمن PageV07P3171 # الوثني أولى؛ لأنه كافر مع زيادة جهل، وهذا النوع ظني غير قطعي؛ لأنه لا يبعد أن يقال: إن الكفارة تجب في قتل الخطأ تكفيرا لما صدر من الخاطئ من التقصير وعدم التحفظ والاحتراز، فلا شك في أنه أقل محذورا من قتل العمد والعدوان، ولا يلزم من كون الشيء رافعا لأقل المحذووين أن يكون رافعا لأكثرهما، ونحو هذا الاحتمال بعينه آت في يمين غير الغموس مع يمين الغموس.