المسألة الثامنة
في بيان جهات التجوز في المفرد
قد عرفت مما سبق في حد المجاز أن العلاقة لابد منها فيه.
فنقول: العلاقة التي هي شرط المجاز، ليست هي عبارة عن مجرد الاشتراك في أمر من الأمور التي هي موجودة في الحقيقة، وإلا لجاز إطلاق اسم كل شيء على كل ما عداه لأنه ما من شيء إلا ويشارك كل ما عداه في أمر من الأمور، بل لابد من المناسبة والمشاركة في أمر خاص ظاهر.
إذا عرفت هذا، فلنذكر ما يحضرنا منها، وقبل الخوض في التعداد لابد من التنبيه على شيء. وهو: إنا إذا / (52/ب) أوردنا مثالا بجهة من جهات التجوز لا يشترط فيه أن لا يكون مشتملا على جهة أخرى، بل يجوز أن يكون فيه جهتان وثلاثة، فلا يفهم من قولنا: مثال الجهة الفلانية كذا الاختصاص بتلك الجهة، بل شرطه أن يكون مشتملا على تلك الجهة، مع قطع النظر عن غيرها من الجهات، فإن كان فيه جهة أخرى فإنما لم ينبه عليها لأنا نذكر لها مثالا آخر.
الجهة الأولى: من جهات التجوز، إطلاق اسم العلة على المعلول سواء كانت العلة "فاعلية" أو "قابلية" أو "صورية" أو PageV02P347 # "غائبة".
مثال الأول: إذا كانت حقيقية إطلاق اسم الفاعل وإرادة المفعول كقوله تعالى: {عيشة راضية} أي: مرضية، ومثاله إذا كانت ظنية كتسميتهم "المطر بالسماء".
مثال الثاني: كقولهم: "سال الوادي"، و "جرى الميزاب" و "النهر"
مثال الثالث: كتسميتهم القدرة باليد، والعقل، والفهم، بالقلب.
مثال الرابع: كتسميتهم العنب بالخمر، والعقد بالنكاح.
وثانيها: إطلاق اسم المعلول على العلة، كتسميتهم المرض الشديد، والمحنة العظيمة بالموت، ومنه قوله تعالى: {حجابا مستورا} أي ساترا.
تنبيهان:-
الأول: إذا وقع التعارض بين هذين المجازين، كان الأول أولى.
وهذا ظاهر، على رأي من يجوز تعليل المعلولين المتماثلين بعلتين مختلفتين PageV02P348 # لأن العلم بالمعلول المعين حينئذ لا يستلزمه العلم بالعلة المعينة. وأما العلم بالعلة المعينة، فإنه يستلزمه العلم بالمعلول المعين. وأما على رأي من لم يجوز ذلك فكذلك، لأن العلم بالعلة المعينة كما تفيد العلم بوجود المعلول المعين، فكذا يفيد كمية وجوده. وأما العلم المعلول، وإن أفاد العلم بوجود العلة المعينة حينئذ لكن لا يفيد كمية وجوده، فكان الأول أولى.
الثاني: إذا وقع التعارض بين هذه العلل الأربع، كانت العلة الغائبة أولى، لا لما قيل: بأن فيها جهتي العلية والمعلومية بالنسبة إلى العلل الثلاثة الباقية؛ فإنها علة لها في الذهن ومعلول لها في الخارج، فإن هاتين الجهتين حاصلتان أيضا للعلل الثلاثة بالنسبة إليها ضرورة أن العلية والمعلولية من الأمور الإضافية المتلازمة، بل لأن عليتها في الذهن ومعلوليتها في الخارج وسائر العلل بالعكس من هذا. وقد عرفت أن دلالة الألفاظ على ما في الأذهان بالذات، وعلى ما في الخارج بالعرض فتكون جهة الرجحان التي هي العلية حاصلة / (53/أ) للعلة الغائبة في الدلالة الذاتية ولغيرها في الدلالة العرضية، فتكون العلة الغائبة أولى من غيرها.
وثالثها: إطلاق اسم اللازم على الملزوم، كإطلاق المس على الجماع في PageV02P349 # قوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} أي قبل الوطء" وخصه قوم بالكناية إذ قالوا: أن قولهم: "كثير الرماد" للمضياف، و "طويل النجاد" لطويل القامة من باب الكنية، وهو إطلاق "اسم" اللازم على الملزوم.