وعن الرابع: إن كلام الله حق بمعنى أنه صدق لا بمعنى أنه مستعمل في موضوعه.
وعن الخامس: أنه مبني على قاعدة التحسين والتقبيح، وهي باطلة عندنا. ولئن سلمنا: صحتها فالظاهر زوال الالتباس مع القرينة وخفاء القرينة الذي ينشأ من الجهل احتمال مرجوح، وهو غير كاف في تقبيح الشيء وإلا لقبح إبدال المتشابهين.
وعن السادس: أنا لا نقطع بشيء من مدلول كلامه تعالى، بناء على عدم وجدان قرينة صارفة عن ظاهره، بل لا يثبت بهذا الطريق إلا الظن، وأما القطع فبالقرائن المعينة للحقيقة، أو بقيام دلالة قاطعة مانعة من حمله على غير ظاهره، ومعلوم أن كون القرآن مشتملا على المجاز لا يقدح في القطع بهذا الطريق. PageV02P334
المسألة السادسة
[في اشتمال العربية والقرآن على كلمة غير عربية]
هل في اللغة العربية، وكلام الله تعالى كلمة غير عربية، سواء كانت معربة أم لا؟
فنقول: أما أن اللغة العربية مشتملة عليها فلا نعرف في ذلك خلافا، وإنما الخلاف في أن القرآن، هل هو مشتمل عليها أم لا؟
فأثبته ابن عباس، وعكرمة، ومن تابعهما. ونفاه الباقون. PageV02P335
قيل. الشافعي منهم، ثم اعلم أن الخلاف يجب أن يكون في غير الأعلام كأسماء الأجناس مثل "اللجام" و "المشكاة"، أما في الأعلام مثل "إبراهيم" و "إسماعيل" فلا يتجه الخلاف فيه، وكيف يتجه وقد اتفق النحويون على أن إبراهيم وإسماعيل وأمثالها غير منصرف لعلة العلمية والعجمة، ولو كان من قبيل توافق اللغتين لكان منصرفا، نظرا إلى الوضع العربي.
احتج المثبتون: بان القرآن مشتمل على "السجيل" و "الإستبرق" وعلى "المشكاة"، وعلى "القسطاس" والأوليان فارسيان، والمشكاة حبشية.
وقيل: هندية، والقسطاس رومي. ولأنه لو لم يجز أن يكون القرآن مشتملا على غير العربي، فإنما لا يجوز لأنه غير مفهم لهم، وهو غير منكر من القول، فإن الحروف في أوائل السور غير مفهمة، وكذلك "الزقوم" PageV02P336
و "الأب"، ولذلك قال بعض فصحاء العرب حين سمع قوله تعالى: {لآكلون من شجر من زقوم} ما نعرف الزقوم، إلا الزبد والعسل. وقال عمر رضي الله عنه: لما تلا قوله تعالى: {وفاكهة وأبا} أما الفاكهة فمعلومة، فما / (50/ب)؟.
وكذلك المتشابهات، فإنها لا تفهم إذ الأصح الوقف على قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله}. PageV02P337
وأيضا: إن الله تعالى أنزل القرآن على لسان العرب والمعرب من جملة كلامهم، ولذلك اعتورت عليه أحكام كلامهم من دخول الألف واللام والتنوين والجمع والتثنية وغير ذلك من الأحكام، فجاز أن يكون فيه المعرب كغيره.
أجاب المنكرون:
عن الأول: بأنا لا نسلم أن تلك الكلمات ليست بعربية، ووجودها في غير اللغة العربية لا يدل على أنها ليست بعربية، فإن توافق اللغتين غير ممتنع كما في التنور، والصابون، وغيرهما من الألفاظ.
وعن الثاني: بمنع أن يكون في القرآن غير المفهم، أما أوائل السور فقد مر الجواب عنها.
وأما "الزقوم" و "الأب" فلا يلزم من كونهما غير معلومين لواحد، أو اثنين أن لا يكونا عربيين، ولا نسلم أن المتشابهات غير معلومة، ولا نسلم أن الأصح الوقف على قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله} بل على (الراسخين) غاية ما يلزم على هذا التقدير التخصيصي، PageV02P338 # وهو أهون من التكلم بما لا يفهم.