وعن الثاني: يمنع عدم الفائدة، فإنا سنذكر فوائد المجاز إن شاء الله تعالى. PageV02P325
المسألة الخامسة
[في أقوال العلماء في وقوع المجاز في كلام الله تعالى]
قد ثبت بما ذكرنا اشتمال اللغة العربية على المجاز. فهل هو واقع في كلام الله تعالى أم لا؟
ذهب الأكثرون إلى أنه واقع.
وقالت: الروافضة. والظاهرية، كأبي بكر الأصفهاني. PageV02P326
إنه غير واقع
احتج الأكثرون على وقوعه بآيات، كقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} فإن حقيقته غير مرادة، لأن حقيقته نفي مثل مثله، وهو كفر، لأنه يقتضي نفيه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، بل المراد منه نفي المثل، وهو مجاز فيه بالزيادة، إذ لو حذف الكاف استقام الكلام. PageV02P327
وكقوله تعالى: {جدارا يريد إن ينقض}، وقوله تعالى: {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها}. والعير إما الإبل التي تحمل الميرة أو القافلة المجتمعة من الناس والجمال والبهائم، وعلى التقديرين السؤال عنها ممتنع، بل المراد على التقدير الأول، أهل العير فيكون مجازا من باب الإضمار كما في قوله تعالى: {واسأل القرية}، وعلى التقدير الثاني بعض العير، وهو الناس، فيكون مجازا، من باب إطلاق اسم الكل على الجزء. وفي هذه الاستدلالات نظر. PageV02P328
أما الاستدلال بالآية الأولى فإن لقائل أن يقول: لا نسلم أن قوله {ليس كمثله شيء} المراد منه نفي المثل، بل هو محمول على حقيقته، وهو نفي مثل مثله، ولا يلزم منه نفيه تعالى بل نفي مثله.
وبيانه: أن نقول لو كان لله تعالى مثل، لكان هو مثلا له ضرورة أن المماثلة لا تتحقق إلا من الجانبين، لكن ليس كمثله مثل فلا يكون له مثل وإذا أمكن حمل اللفظ على حقيقته، بحيث يحصل منه المقصود من غير محذور، كان الحمل على المجاز غير جائز لاسيما على المجاز بالزيادة، فإنه أشد محذورا من المجاز بالنقصان، إذ هو من باب الفصاحة والبلاغة، ومن المجاز / (49/أ) للمشابهة فإنه من باب الاستعارة. لا يقال: فعلى هذا لا يكون النص مفيدا لنفي المثل ما لم يضم إليه ما ذكرتم من المقدمة فلا يكون مستقلا بالإفادة لكن الأمة عقلت منه [نفي المثل من غير اعتبار تلك المقدمة]، وذلك يدل على أنه "غير" محمول على ما ذكرتم. لأنا نقول: لا نسلم أن الأمة بأسرها عقلت منه نفي المثل من غير اعتبار تلك المقدمة. وكيف يقال ذلك وفي الأمة من ينكر أن يكون في كلام الله PageV02P329 # مجاز؟ ومنهم من ينكر أن يكون فيه زيادة لا معنى لها، ولا يمكن حمل الآية على نفي المثل إلا بعد الاعتراف بهذين الأصلين "على القائلين بهذين الأصلين" جاز أن يفهموا منه نفي المثل على سبيل الاستقلال، وجاز أن يفهموا ذلك منه بواسطة ما ذكرنا من المقدمة وإن لم يصرحوا بها، لما أنها ضرورية على تقدير ثبوت المثل له.
وأما قوله {جدارا يريد أن ينقض} فيمكن حمله على حقيقته- أيضا- إذ لا يبعد أن يخلق الله تعالى فيه الحياة والإرادة، إذ ليس البنية شرط الحياة، وزمن النبوة زمن خرق العادة.
وكذلك القول في العير والقرية، إن سلم أن القرية اسم مختص بالبيوت والبنيان المجتمعة، وأما إن لم يقل بذلك بل يقول بأنها مشترك بينها وبين الناس المجتمعين، إما باشتراك لفظي، أو معنوي، فالاستدلال ساقط بالكلية، لأنه يمكن إجراء اللفظ على ظاهره، فلا حاجة إلى الإضمار، ثم الذي يدل على أن القرية حقيقة في الناس المجتمعين أيضا الاستعمال والاشتقاق أما الاستعمال فكقوله تعالى: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة}، وقوله تعالى {وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة}، وقوله تعالى: {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها}. وأمثالها كثيرة، والأصل في الاستعمال الحقيقة. PageV02P330