القسم الثاني من هذا الفصل
في الأخبار التي سبيل صدقها غير التواتر وهو ينقسم إلى صنفين:
متفق عليه، ومختلف فيه.
أما الصنف الأول فأنواع:
أحدها: الخبر الذي عرف مخبره بالضرورة.
وثانيها: الخبر الذي عرف مخبره بالنظر والاستدلال. PageV07P2753
وثالثها: خبر الله تعالى، وصدقه متفق عليه بين المليين وأرباب الديانات، لكنهم اختلفوا في الدلالة عليه فنفاة التحسين والتقبيح اختصوا بمسلك، ومثبتوهما اختصوا بمسلك آخر، ومسلكان آخران غير مختصين بأحد الفريقين بل لكل واحد منهما الاحتجاج بهما.
فالمسلك الأول من مسلكي الفريقين وهو الأقوى وهو: أن الصدق صفة كمال، والكذب صفة نقص، وهو معلوم بالضرورة متفق عليه بين العقلاء والله تعالى منزه عن جميع النقائص باتفاق العقلاء، فوجب أن يكون منزها عن الكذب.
ولأن النقص طبيعته طبيعة عدمية، ولا تطرق للعدمي إلى واجب الوجود، ولأنه لو لم يكن منزها عن الكذب لكان الواحد من الممكنات حال كونه صادقا أكمل [منه] تعالى وذلك معلوم البطلان بالضرورة.
وثانيها: وهو إخبار الرسول - عليه السلام - عن امتناع الكذب عليه تعالى.
واعترض على هذا المسلك بأن صدق الرسول - عليه السلام - مستفاد من صدق الله؛ ضرورة أن صدقه مستفاد من دلالة المعجزة على صدقه، ودلالة المعجزة على الصدق قائم مقام التصديق بالقول والتصديق بالقول إنما يفيد صدق المصدق أن لو كان المصدق صادقا، فلو استفيد صدق الله تعالى من صدق الرسول لزم الدور.
وجوابه من وجهين:
أحدهما: أنا لا نسلم أن دلالة المعجزة على [التصديق يتوقف على PageV07P2754 # صدقه تعالى، وهذا لأن دلالة المعجزة على] تصديقه فيما يدعيه من الرسالة نازلة منزلة قوله: "أنت رسولي" ومعلوم أن دلالة هذا على كونه رسولا حين قصد به الإنشاء كما في قول القائل "أنت وكيلي" لا يتوقف على الصدق؛ لأن الإنشاء لا يتطرق إليه التصديق والتكذيب.
وحينئذ يندفع ما ذكرتم من الدور.
فإن قلت: فعلى هذا لا يلزم صدق الرسول في كل ما يخبر عنه بل إنما يلزم منه صدقه فيما يدعيه من الرسالة؛ لأن قوله: "أنت رسولي" لا يدل إلا عليه؛ لأن كونه صادقا في جميع الأمور أمر حقيقي، والإنشاء لا مدخل له في الأمور الحقيقية بل تأثيره في الأمور الوضعية؛ فإذن لا طريق إلى معرفة كون الرسول صادقا في كل الأمور إلا من قبل كون الله تعالى صادقا، وحينئذ يلزم الدور المذكور.
قلت: هذا الإلزام مشترك فإنا بتقدير أن نجعل دلالة المعجزة نازلة منزلة التصديق بالقول الخبري، فإنما نجعلها نازلة منزلته فيما يقترن به التحدي، والذي يقترن به التحدي إنا هو دعوى الرسالة وكونه مبعوثا من جهته تعالى، لا دعوى الصدق في كل الأمور فما هو جوابكم عن هذا فهو جوابنا عن ذاك، وليس ذاك إلا أن الصدق في كل الأمور ضرورة الصدق في الرسالة، فإنه لو لم يثبت الصدق في كل الأمور إذا ذاك لم يحصل مقصود الرسالة، فإن المقصود منها إنما هو الدعوى إلى الله تعالى، وهي إنما تتحقق بالترغيب على ما به الدعوة، والترهيب على تركه الموقوفين على التبليغ منه PageV07P2755 # ومعلوم أنه لا يحصل هذا المقصود إلا إذا حصلت الثقة بما يبلغه منه تعالى، وذلك بالعصمة عن الكذب في جميع ما يقوله عنه تعالى فيثبت أنه لو لم يثبت الصدق في جميع الأمور لم يحصل مقصود الرسالة، وإذا لم يثبت مقصود الرسالة فكأنه لم تثبت الرسالة فثبت أن الصدق في جميع الأمور من ضرورة الصدق في الرسالة وحينئذ يندفع الدور.