وأما قوله في الوجه الثاني: لجاز مثله في أحد الخبرين عن الجمع الكثير الذي لا يمكن تواطؤهم على الكذب دون الآخر فممنوع؛ وهذا لأنه يجوز أن تختلف في ذلك عادة الله تعالى فاطردت عادته بخلق العلم الضروري عقيب إخبار الجمع الكثير، ولم يطرد ذلك عقيب إخبار الجمع القليل؛ بل تختلف فيه عادته فتارة يخلق، وتارة لا يخلق، كما أن عادته مطردة بخلق الحفظ عقيب التكرار على البيت الواحد ألف مرة، ولم تطرد عادته بخلقه عقيب التكرار عليه مرة أو مرتين.
سلمنا تسوي المثلين في العادة، لكن لا يلزم من خلق الله تعالى العلم عقيب إخبار الأربعة خلقه عقيب شهادة الأربعة؛ وهذا لأن الشهادة - وإن PageV07P2743 # كانت خبرا في المعنى - لكن لفظ الشهادة مخالف للفظ الخبر، وذلك يقدح في مماثلتها مطلقا فلم يجب تساويهما في الحكم، فجاز أن يجري الله تعالى عادته بخلق العلم الضروري عندما يخبر المخبرون بلفظ الخبر والرواية، دون لفظ الشهادة، ولو سلم أن ما بينهما من التفاوت غير قادح في المثلية لكن كون الشهود يجتمعون عند أداء الشهادة في الغالب مظنة للاتفاق على الكذب، فلا جرم لم يحصل العلم لتمكن / (61/أ) هذا الاتهام في النفوس، بخلاف ما إذا أخبر المخبرون بلفظ الخبر، فإنهم يخبرون في الغالب متفرقين فيكون الاتهام زائلا فلا جرم يحصل العلم به.
سلمنا صحة ما ذكرتم لكنه منقوض بعدد "أهل القسامة" فإنه يجوز حصول العلم بقولهم من أن ما ذكروه من الدليل آت إذ أمكن أن يقال: لو أفاد قول خمسين صادقين العلم لأفاد قول كل خمسين صادقين، ولو أفاد قول كل خمسين ذلك لاستغنى القاضي عن تحليف عدد أهل القسامة لأنه حصل العلم بقولهم فلا حاجة إلى تحليفهم؛ إذ التحليف إنما هو لتقوية ظن الصدق وإن لم يحصل له العلم بقولهم قطع بكذبهم فلا حاجة إلى التحليف أيضا.
واعلم أن الاعتراض الأول قوي جدا، وأما الثاني فيمكن أن يجاب عنه: بأن ذلك لو كان قادحا في مماثلتهما وتساويهما في أن يحصل العلم الضروري عقيبهما لوجب أن لا يحصل القطع بالتسوية في ذلك بينما إذا صدر خبر بلفظ الشهادة، وبينما إذا صدر خبر آخر بلفظ الإخبار من الجمع الذي لا يمكن تواطؤهم على الكذب بعينه بتقدير حصول العلم عقيب الخبر الصادر بلفظ الإخبار واللازم باطل بالضرورة فالملزوم مثله. PageV07P2744
وأما الثالث فجوابه: أنا نفرض الكلام حيث تكون الأربعة الذين شهدوا على الزنا هم الذين أخبروا وحصل العلم بقولهم بعينهم مع التساوي في جميعا لأحوال من التفرق، وغيره إذ ليس من شرط الشهادة أن يكونوا مجتمعين لأدائها وأما الرابع فغير وارد؛ لأن المخبر عنه في قول كل واحد منهم غير المخبر عنه في قول الآخر سواء فرض ذلك من جهة المدعين أو من جهة المدعى عليهم، أما من جهة المدعين، فإن كل واحد منهم إنما يحلف بحسب ظنه وهو مدعاه ويخبر عنه خبره.
وأما من جهة المدعى عليهم فإن كل واحد منهم إنما يحلف على أنه ما قتل ولا عرف قاتله فما أخبر عنه كل واحد منهم غير ما أخبر عنه الآخر.
ومنهم من اعتبر في التواتر عددا معينا، وهؤلاء اختلفوا:
فمنهم من قال ذلك اثنا عشر عدد نقباء موسى - عليه السلام. قال الله تعالى: {وبعثنا منهم اثنى عشىر نقيبا}، وإنما خصهم بذلك؛ لأنه يحصل العلم بقولهم.