احتج أبو الحسين: بأن نسخ الفحوى مع بقاء الأصل مناقض للغرض، ألا ترى أنه إذا حرم التأفيف إعظاما للأبوين كانت إباحة ضربهما نقضا للغرض.
واحتج القاضي: بأن الفحوى، إما تابع، أو غير تابع، بل تحريمه وتحريم الأصل نازل منزلة تحريم شيئين.
فإن كان الأول: وجب أن لا يكون رفعه رفع حكم الأصل، لأن رفع [حكم] التابع لا يستلزم رفع المتبوع.
وإن كان الثاني: لم يكن نسخ تحريمه مستلزما لنسخ تحريم الأصل أيضا: كما في كل شيئين إذا حرما معا.
وجوابه: أن المتبوع إذا كان ملازما للتابع، فلا نسلم أن رفعه لا يستلزم رفع المتبوع.
وأما مفهوم المخالفة: فيجوز نسخه مع نسخ الأصل، وبدونه "هو" ظاهر إذ لا يصير نقضا على الغرض، كما في مفهوم الموافقة.
وهو كقوله عليه السلام: "الماء من الماء"، نسخ مفهومه بقوله عليه السلام: PageV06P2382
"إذا التقى الختانان وجب الغسل" وبقى أصله وهو وجوب الغسل من الإنزال.
فأما نسخ الأصل بدونه فيحتمل أن لا يجوز، ويحتمل أن يجوز، ولا يخفى مأخذهما مما سبق، وإن كان الأظهر هو الاحتمال الأول: لأنه إنما يدل على العدم باعتبار ذلك القيد المذكور فإذا بطل تأثير ذلك القيد بطل ما يبنى عليه.
فعلى هذا نسخ الأصل نسخ للمفهوم، وليس المعنى منه أن يرتفع العدم ويحصل الحكم الثبوتي، بل المعنى فيه أن يرتفع العدم الذي كان شرعيا ويرجع إلى ما كان/ (374/ ب) عليه من قبل. PageV06P2383
"الفصل الثالث"
فيما اختلف فيه أنه ناسخ وليس هو بناسخ
وفيه مسائل: PageV06P2385
"الفصل الثالث"
فيما اختلف فيه أنه ناسخ وليس "هو" بناسخ
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
في الزيادة على النص هل هو نسخ أم لا؟
فنقول: اتفق الكل على أن زيادة عبادة مستقلة سواء كان من جنس المزيد عليه، كزيادة صلاة على الصلوات الخمس، أو لم يكن من جنسه كزيادة عبادة ليس من جنس الأركان الخمسة، ليس نسخا للمزيد عليه.
وإنما جعل بعض أهل العراق زيادة صلاة على الصلوات الخمس نسخا لقوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} دون الصلوات الخمس "لأنها" تجعل الوسطى غير الوسطى.
وهو ضعيف، لأنه يلزمهم أن يقولوا: بنسخ الصلوات الخمس إذا زيدت صلاة سادسة في آخرها، لأنه يجعل الأخيرة غير الأخيرة. ويجعل عددها PageV06P2387 # ستة ويخرجها عن كونها خمسا فقط وتخرجها عن أن يكون لها وسط.
وقد زيف بوجه [آخر] وهو: أن كون العبادة وسطى أمر حقيقي ليس بشرعي والنسخ إنما يتطرق إلى الحكم الشرعي لا غير.
وفيه نظر.
لأن الحكم العقلي يصير شرعيا إذا ورد الشرع به وقرره عليه، فحينئذ يكون نسخا للحكم الشرعي.
وأيضا: كون صلاة منها بعينها وسطى ليس أمرا حقيقا لا يختلف، بل كون صلاة منها أي صلاة كانت وسطى أمر حقيقي.
واختلفوا في الزيادة التي لا تكون كذلك. كزيادة الركعة في صلاة واحدة وكزيادة التغريب على الجلد في حد الزنا، وكزيادة صفة الإيمان في مطلق الرقبة الواجبة في الكفارة. PageV06P2388
فذهب الشافعي، وأصحابه والحنابلة، وجماعة من المعتزلة، كأبي علي، وأبي هاشم: إلى أنه لا يكون نسخا.
وذهبت الحنفية إلى أنها تكون نسخا.
ومنهم: من فصل وذكروا فيه وجوها:-
أحدها: أن الزيادة إن كانت تفيد خلاف ما أفاد النص بمفهوم المخالفة كمفهوم الصفة، أو الشرط، أو الغاية، كانت الزيادة نسخا وإلا فلا.