أحدهما: ما مضى بجوابه.
وثانيهما: أن الإجماع دليل شرعي لفظي فجاز النسخ به كغيره من الأدلة.
وجوابه: أنه إثبات لكونه ناسخا بالقياس، وهو غير جائز، لأنه إذا لم يجز النسخ به على ما ستعرف ذلك، فلأن لا يجوز إثبات كون غيره ناسخا به بالطريق الأولى.
سلمنا: التمسك به، لكن الفرق بينه وبين غيره من الأدلة قائم، وهو أن النسخ به يستلزم ما ذكرنا من المفاسد بخلاف غيره من الأدلة فإن ليس فيه ذلك. PageV06P2372
المسألة الخامسة
في نسخ حكم القياس ونسخ حكم غيره "به"
.
أما الأول: فإما أن يكون ذلك في زمان الرسول عليه السلام، أو بعده.
فإن كان: في زمانه فيمكن نسخه مع نسخ أصله.
وينسخ أصله، وإن لم يتعرض لنسخه، لأنه إذا نسخ أصله بطلت علته المبنى عليها الحكم.
ونقل فيه خلاف الحنيفة إذ جوزوا صوم رمضان بنية من النهار، قياسا PageV06P2373 # على ما ثبت من صحة صوم عاشوراء، بنية من النهار حين/ (373/ أ) كان واجبا مع زوال حكمه بالنسخ، وبقاء الفرع على حاله، لكن لا يكون هذا النسخ إلا بالنص لأن حكم النص لا ينسخ بالقياس.
وأما نسخ القياس بالإجماع فغير متصور لأنه لا يحصل في زمانه عليه السلام.
وهل يمكن نسخه بدون نسخ أصله، فهذا ينبغي أن يكون محل الخلاف فجوزه الجماهير. وأباه بعضهم: كالقاضي عبد الجبار.
وأما المجوزون فقالوا: يجوز نسخه بالنص. بأن ينص في ذلك الفرع بأن الحكم فيه كذا على خلاف مقتضى القياس، وبالقياس بأن ينص على حكم آخر ضد حكم أصل ذلك القياس، والأمارة الدالة "على" علته المشترك بين هذا الأصل وبين الفرع، راجحه على الأمارة الدالة على علته المشتركة بين [المستنبط من حكم] الأصل الأول وبين الفرع.
وأما المانعون منه فقالوا: العلة المستنبطة من حكم الأصل كالفحوى بالنسبة إلى الأصل، فكما لا يجوز نسخ الفحوى بدون الأصل فكذا لا يجوز نسخ العلة بدونه. PageV06P2374
وجوابه: منع أن تكون لعلة الفحوى، وهذا لأن نسخ الفحوى مع بقاء حكم الأصل مناقض للغرض، وليس نسخ العلة مع بقاء حكم الأصل كذلك.
سلمناه: لكن لا نسلم أن ذلك لا يجوز.
هذا كله في نسخ حكم القياس في حال حياة الرسول عليه السلام.
فأما بعده فلا يتصور نسخه، لأنه لو نسخ، فأما أن ينسخ بالنص، وهو باطل، لأنه لو نسخ به، فأما أن يكون بنص حادث بعد وفاة الرسول، وهو باطل لاستحالة ورود النص بعد وفاة الرسول، أو بنص كان موجودا من قبل، لكن لمجتهد المستنبط لعلة القياس ما كان يعلمه، مع إستقصاء البحث والتفتيش عنه حين أثبت الحكم بالقياس. ثم وجده، وهو أيضا: باطل. لأنه تبين إذ ذاك أن حكم القياس مرتفع من أصله، وكان باطلا وليس هو من النسخ في شيء لا في اللفظ، ولا في المعنى، سواء قيل: أن كل مجتهد مصيب، أو لم يقل بذلك.
وكلام أبي الحسين البصري مشعر بالفرق، لأن معنى النسخ، إما رفع PageV06P2375 # لحكم، أو بيان انتهائه، وعلى التقديرين، إنما يبطل الحكم فيه من حينه لا من أصله، فما تبين أنه كان باطلا من أصله لا يكون نسخا في المعنى أيضا: ولو سمى إنسان زوال التعبد عن الحكم كيف ما كان نسخا، فهذا حينئذ يكون نسخا خلاف المصطلح عليه لفظا ومعنى، أو ينسخ بالإجماع، وهو أيضا باطل لما تقدم "إن الإجماع لا يكون ناسخا، أو بقياس وهو أيضا باطل". لأن الكلام فيه على "النسق" الذي مضى على النص/ (373/ ب).