المسألة الثالثة
في أقسام اللفظ المشترك
. وقد عرف ذلك من قبل، والذي نزيد هنا هو أن اللفظ هل يجوز أن يكون مشتركا بين الشيء ونقيضه أم لا؟
فجوزه قوم.
ومنعه آخرون.
مثاله: لفظة "إلى" على رأي من يزعم أنها مشتركة بين إدخال الغاية، وعدمه.
احتج من منع: بأن اللفظ المشترك لا يفيد إلا التردد بين مفهوميه. وهذا التردد حاصل بين النقيضين قبل وضع اللفظ له وسماعه فوضع اللفظ لهما عبث.
وهو ضعيف، لأنا نمنع حصر الفائدة فيما ذكروه من التردد، وهذا فإنه كما يفيد أيضا إخراج ما عداهما عن أن يكون مراد التكلم، ألا ترى أن قوله تعال: {إلى المرافق}. كما يفيد التردد بين دخول المرفق، وعدم دخوله على تقدير أن يكون مشتركا بينهما، يفيد أيضا إخراج العضد عن الأمر بالغسل، فلا يكون الوضع لهما عيبا. PageV01P223
سلمنا: انحصار الفائدة فيما ذكروه من التردد، لكن يحصل بعد الوضع من الفائدة ما لا يحصل قبله، وهو تعين آحدهما بأدنى قرينة خالية أو مقالية، بخلاف قبل الوضع فإنه لا يزول التردد بذلك.
سلمنا: صحة دليلكم لكنه إنما ينفي ما يكون مشتركا فيهما بوضع قبيلة واحدة، وأما ما يحصل بوضع قبيلتين فلا.
المسألة الرابعة
في السبب الذي به يعرف كون اللفظ مشتركا
فنقول: معرفة كون اللفظ مشتركا، إما بالنص، وإما بالاستدلال، أما الأول: فهو بأن يقول الواضع: هذا اللفظ مشترك بين هذين المفهومين. أو يقول: هذا حقيقة في هذا وفي هذا من غير نقل. أو وضعت لهذا ولهذا سواء كان القائل: واضعا واحدا أو واضعين لكن يجب أن لا يكون بطريق النقل. أو يقول: إذا أطلقت هذا اللفظ فلا تحملوه على أحد هذين المفهومين على التعيين إلا بقرينة.
وأما الاستدلال فمن وجوه:- PageV01P224 # أحدها: أن يبقى الذهن مترددا/ (33/ب) في مفهوماته، لا يتبادر شيء منها إليه إلا بقرينة.
وثانيها: أن أهل اللسان إذا أرادوا إفهام أحد المعنيين على التعيين، اقتصروا على مجرد إطلاق اللفظ، وإن أرادوا إفهام أحدهما على التعيين لم يقتصروا عليه، بل ضموا إليه شيئا آخر، فيعلم أن اللفظ مشترك بينهما.
وثالثها: أن يكون اللفظ مستعملا في معنيين، ولا يصح سلبه عن كل واحد منهما، فيعلم أنه حقيقة فيهما، إذ لو كان مجازا فيهما أو في أحدهما لصح سلبه عنهما، أو عن أحدهما، لأن صحة السلب من لوازم المجاز.
وأما مجرد الاستعمال في المعنيين، فليس دليل الاشتراك، لاحتمال أن يكون أحدهما بطريق التجوز، وهذا وإن كان على خلاف الأصل لكنه خير من الاشتراك لما سيأتي.
وكذلك حسن الاستفهام ليس دليل الاشتراك، لما سنذكر عن شاء الله تعالى من فوائده. PageV01P225