فلو كان ذلك بمجرد دلالة اللفظ لما حسن ذلك، كما إذا أمرهم بتأفيفه وعرف أن مقصود منه إهانته ثم يناهم عن الشتم والضرب، وهذا القسم مما لا يعرف خلافا في حجيته، بل أطبق الكل على حجيته، حتى المنكرون للقياس، وإنما اختلفوا في أن دلالته لفظية أم قياسية على ما سيأتي ذكره.
وإلى ظنى: هو الذي لم يعرف المقصود من الكلام قطعا، وإن كان المسكوت عنه أولى بالحكم المنطوق، لكنه في الظاهر، لاحتمال معنى آخر هناك لم يدل على سياق الكلام ولا غيره على الغاية قطعا، نحو قوله تعالى:} ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة {. PageV05P2038
فإن القتل العمد وإن كان أولى بذلك ضرورة أنه أجدر بالتغليظ والمؤاخذة، كما هو رأي أصحابنا، لكن إنما يكون لو ثبت أن الكفارة إنما وجبت على الخاطئ على وجه التغليظ والمؤاخذة، وهو ممنوع، وهذا لأنه يحتمل أن يكون وجوبها عليه إنما هو على وجه النظر له من حيث إنه شرع له ما يكفر ذنبه الحاصل له بسبب تقصيره وترك تحفظه، وجناية المتعمد فوق جناية الخاطئ، ولا يلزم من كون الكفارة رافعة لإثمه أدنى الجنايتين أن تكون رافعة لإثم أعلاهما/ (322/أ).
وهذا القسم مما اختلف في حجيته، كما في مفهوم المخالفة.
وأما مفهوم المخالفة: فهو الذي دل اللفظ من جهة المعنى على أن حكمه مخالف لحكم المنطوق نحو قوله عليه السلام: "زكوا عن سائمة الغنم"، فإنه يدل على نفي الزكاة عن المعلوفات عند من يقول به، ويسمى "بدليل الخطاب" أيضا وهي أصناف يأتي ذكرها في مسائل.
المسألة الثانية
في أن دلالة النص على الحكم في مفهوم الموافقة. هل هي لفظية، أم قياسية؟
. PageV05P2039
فذهب الجماهير من أصحابنا، وبعض الحنفية: إلى أنها قياسية.
وذهب الآخرون من الفريقين: إلى أنها لفظية. إما لزعمهم أن صيغ التنبيه بالأدنى على الأعلى موضوعة في أصل الوضع للمجموع، المركب من الأمرين وهو ثبوت الحكم في ذلك الأدنى الذي هو مذكور وتأكيد ثبوته في الأعلى المسكوت عنه، أو لزعمهم أنها في أصل الوضع، وإن كانت موضوعة لثبوت الحكم في المذكور لا غير، لكن العرف الطارئ نقلها عنها إلى ثبوت الحكم المذكور في الصورة المذكورة وفي الصورة المسكوت عنها.
احتج الأولون بوجوه:
أحدها: أن المنع من التأفيف مثلا، لو دل على المنع من الضرب والشتم لفظا، لدل عليه، إما بحسب الوضع اللغوي، أو بحسب الوضع العرفي، والأمران باطلان، فبطل القول بدلالته لفظا.
أما الأول: فلأن التأفيف غير الضرب، وليس هو جزء منه، وهو PageV05P2040 # معلوم قطعا، فالمنع منه لا يكون منعا من الضرب لا بطريق المطابقة، ولا بطريق التضمن.
وأما الثاني: وهو كما يقال: إن المنع من التأفيف نقل إلى المنع من جميع أنواع الأذى، فهو أيضا باطل، لأن النقل خلاف الأصل، وإن الأصل هو التقرير على الوضع الأول، فلا يصار إليه إلا عند قيام الدلالة عليه.
وثانيها: أن دلالته عليه لو كانت لفظية، لما توقفت معرفتها على] معرفة سياق الكلام [ومقاصده، لان معرفة المقاصد "المعتبرة بالعبارة" تتوقف على معرفة دلالة العبارة عليها، فلو توقفت معرفة دلالة العبارة عليا لزم الدور وهو ممتنع، لكنها تتوقف كما تقدم فليس إذن دلالته لفظية.
وثالثها: لو كان النهي عن التأفيف نهيا عن الضرب والقتل لفظا] لما حسن [النهي عنه مع الأمر بالقتل، كما لا يحسن الأمر بالقتل مع النهي عنه لكنه قد يحسن كما تقدم فهو إذا ليس نهيا عنه لفظا.