المسألة الرابعة] تأخير البيان [
المسألة الرابعة
] تأخير البيان [
اتفق الكل على أنه لا يجوز تأخير بيان الخطاب عن وقت الحاجة، وهي وقت العمل سوى القائلين بجواز تكليف ما لا يطاق، فإنهم يجوزونه، والكلام فيه نفيا وإثباتا، فرع الكلام في تكليف ما لا يطاق، قد تقدم.
وأما تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فقد اختلفوا فيه: فذهب جماهير أصحابنا، والحنفية إلى جواز تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت العمل مطلقا.
وذهب جماهير المعتزلة، والظاهرية، وبعض أصحابنا: كأبي بكر الصيرفي، وأبي حامد المروزي، وأبي إسحاق المروزي على ما PageV05P1894 # روى الغزالي عنه، وكثير من الحنفية إلى: امتناعه مطلقا إلا في تأخير بيان النسخ فإنهم يجوزونه.
ومنهم من فصل: فذهب جماعة إلى تجويزه في الأمر والنهي، دون الوعد والوعيد.
وذهب الكرخى وجماعة من الفقهاء: إلى تجويزه في المجمل دون غيره PageV05P1895 # وذهب أبو الحسين البصري: إلى المنع من تأخير البيان الإجمالي لا التفصيلي عن الخطاب الذي له ظاهر، وقد استعمل في خلاف ظاهره كتأخير بيان تخصيص العام، وتأخير بيان المنقولات الشرعية والمجازات اللغوية عن الحقائق الأصلية، وتأخير بيان النكرة إذا أريد بها شيء معين.
وكون هذا القسم من قبيل ما نحن فيه،] فيه [نظر: إن فسر خلاف الظاهر ينفي ما يثبته اللفظ أو إثبات ما ينفيه، وذلك لأن النكرة إنما تدل على واحد لا بعينه لعدم دلالته على التعيين لا لدلالته على عدم التعيين وبينهما فرق، وكيف لا وأصحابنا صرحوا بأن حمل المطلق على المقيد ليس خلاف ظاهر المطلق، بل هذا إثبات "أمور زائدة" لا يتعرض له المطلق لا بنفي ولا بإثبات بدليل آخر، وأي فرق بين حمل المطلق على المقيد، وبين حمل النكرة على المعين حتى يكون الثاني من قبيل خلاف الظاهر دون الأول، وتأخير بيان النسخ دون الخطاب الذي ليس له ظاهر بل نسبته إلى المعنيين سواء كالأسماء المشتركة والمتواطئة التي هي مجملات، فإنه يجوز تأخير بيانه إلى وقت الحاجة، والبيان الإجمالي هو أن نقول / (296/ب): هذا العام مخصوص وإن المراد من هذه اللفظة الحقيقة الشرعية أو المجاز اللغوي دون حقيقتها، وإن هذا الحكم سينسخ وهذا التفصيل ذكره بعض أصحابنا: كأبي بكر PageV05P1896 # القفال وأبي بكر الدقاق.
والعم أن البيان الإجمالي غير مفيد أصلا في القسم الثاني، لأن من المعلوم على تقدير إجمال المشترك أن المراد منه بعض مدلولاته، ومن المتواطئ بعض ما يصدق عليه الاسم فلذلك يشترطون ذكره عقيب الخطاب، كما شرطوه في القسم الأول لكونه مفيدا.
وأما البيان التفصيلي فتأخيره جائز في القسمين عندهم، فلا فرق بينهما إلا من حيث إنما هو فائدة البيان الإجمالي في القسم الأول حاصل في القسم الثاني من لفظه، فلا معنى لاشتراطه بخلاف القسم الأول فإنه غير مستفاد منه ذلك.
وإذا عرفت مذاهب الناس فيه فلنذكر الدليل عليها.
أما الدليل على ما ذهب إليه أصحابنا فعام تناول كل الصور، وخاص يختص ببعضها، أما العام فوجوه:
أحدها: قوله تعالى:} إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه {.
ووجه الاستدلال به ظاهر وهو أن قوله:} فإذا قرأناه فاتبع قرآنه {.
يدل على إنزاله عليه لاستحالة أن يكون مأمورا بإتباع القرآن قبل إنزاله PageV05P1897 # عليه، ثم إنه تعالى أخر بيانه عنه، لأنه قال:} ثم إن علينا بيانه {، لان كلمة "ثم" للتراخي والمهلة، على ما تقرر ذلك في اللغات، وذلك يدل على جواز تأخير البيان عن وقت الإنزال وهو المطلوب.