وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: "ما من عام إلا وقد خص عنه البعض".
ويقال أيضا في العرف العام: خالطت كل الناس، وباشرت كل الأمور، مع أنه لم يخالط كلهم بل أكثرهم، ولا باشر كلها بل أكثرها، والتعبير PageV04P1459 # خلاف الأصل وعند هذا تعرف أن العلم الحاصل بجوازه من قاعدة كلامهم يكاد أن يكون ضروريا فلا يلتفت إلى إنكار من أنكره من الشذوذ.
المسألة الرابعة
فيما يجوز تخصيصه وما لا يجوز
اعلم أن الذي لا يتناول إلا الواحد لا يجوز تخصيصه، لأن التخصيص على ما عرفت: إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، وذلك غير متصور فيما لا يتناول إلا الواحد.
وأما الذي يتناول أكثر من ذلك فعمومه، إما من جهة اللفظ أو من جهة المعنى.
فإن كان الأول: فإنه يجوز تخصيصه سواء كان عاما لا خصوص فيه/ (232/أ) بوجه من الوجوه، كالمعلوم يتناول المعدوم والموجود، أو لا يكون كذلك بل فيه عموم بالنسبة إلى معلوم، وخصوص بالنسبة إلى معلوم كالشيء، فإنه لا يتناول المستحيل وفاقا والموجود وما تحته من أسماء الأجناس.
وأما الذي عمومه من جهة المعنى: فهو إما أن يكون تابعا لدلالة اللفظ PageV04P1460 # كمفهوم المخالفة والموافقة، أو يكون كالعلة العامة.
فإن كان الأول: فإنه يجوز تخصيص النوع الأول منه مطلقا.
وأما الثاني: فإنه يجوز أيضا لكن بشرط أن لا يعود نقضا على الملفوظ كإباحة ضرب الأم إذا فجرت، أما إذا عاد نقضا عليه كما إذا قال: {فلا تقل لهما أف} لكن ينتج له نوعا من أنواع الأذى مطلقا فإنه لا يجوز.
وأما الثاني: ففي جواز تخصيصه كلام ستعرفه في القياس إن شاء الله تعالى.
المسألة الخامسة
[في العناية التي يجوز أن ينتهي إليها التخصيص]
اختلفوا في الغاية التي يجوز أن ينتهي إليها التخصيص، فذهب جماعة إلى أنه يجوز أن ينتهي التخصيص إلى الواحد في جميع ألفاظ العموم. PageV04P1461
ومنهم: من منع من ذلك في جميع ألفاظ العموم، وأوجب أن يراد بها كثيرة تقرب من مدلول اللفظ، وإن لم يعلم قدرها عينا، إلا أن يستعمل في حق الواحد على سبيل التعظيم أو الإبأنة أن ذلك الواحد يجري مجرى العدد الكثير، وهو مذهب "أبي" الحسين البصري، وكثير من أصحابنا كإمام الحرمين، والإمام "رحمهما الله". PageV04P1462
ومنهم: من فصل بين الجمع المعرف باللام كالرجال، والمسلمين، والجمع المذكر لو قيل بعمومه، وبين غيره من ألفاظ العموم "كمن" و"ما" والمفرد المعرف باللام، لو قيل بعمومه، فأوجب في النوع الأول الانتهاء إلى أقل الجمع وهو الثلاثة، ولم يوجب ذلك فيما عداه، بل جوز انتهاء التخصيص فيه إلى الواحد، وهو مذهب القفال الشاشي رحمه الله "تعالى".
احتج الأولون: بالنص، والأثر، والمعقول.
أما النص: فنحو قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وقوله تعالى: {نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين { PageV04P1463 # وقوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر}، وقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم}، والمراد بالناس القائلين: الواحد، وهو نعيم بن مسعود الاشجعي، وقوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة}، والمراد منه علي بن أبي طالب رضي الله عنه. PageV04P1464