المسألة السابعة عشر
[هل الأمر بالماهية يقتضي الأمر بالجزئيات؟]
إذا أمر الشارع بفعل من الأفعال من غير قيد من قيود جزئياته، لم يكن ذلك أمرا بجميع جزئياته ولا ببعض جزئياته على التعيين، لأن الجزئيات الداخلة تحت مطلق الفعل المأمور به متشاركة في ماهية ذلك الفعل ومتمايزة بخصوصياتها، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز وغير مستلزم له على التعيين، فالأمر الدال على طلب تلك الماهية الكلية غير دال على شيء من تلك الجزئيات المخصوصة عينا، لا بطريق المطابقة ولا بطريق الاستلزام بل لا دلالة له إلا على تلك الماهية المشتركة بين تلك الجزئيات. PageV03P1000
فعلى هذا الأمر بالجنس لا يكون أمرا بشيء من أنواعه ألبتة.
نعم: لو دلت القرينة الحالية أو المقالية على تعيين بعض تلك الجزئيات حمل اللفظ عليه، وتعين فعله على المكلف ولا يخير في فعل تلك الجزئيات أيها أراد فعل، لأنه لابد من تكوين الماهية وهي لا تحصل في الخارج إلا في ضمن جزئي، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ففعل جزئي واجب وليس البعض أولى من البعض وإيجاب فعل الكل لو أمكن إيجاب من غير دليل فلم يبق إلا التخيير.
مثال الأول: قول الموكل لوكيله: يعني مطلقا من غير قيد فإنه يملك البيع بثمن المثل ولا يتخير بينه وبين البيع بالغبن الفاحش، ولأن القرينة العرفية دلت على الرضا به دون البيع [بالغبن] الفاحش.
ومثال الثاني: إذا قال الشارع: أعتق رقبة فإنه يتخير في إعتاق الرقاب السليمة، إذ لا قرينة تعين بعض الرقاب.
المسألة الثامنة عشرة
[في أن الآمر هل يدخل تحت الأمر أم لا؟]
هذا الباب يشتمل على مسائل لابد من تفصيلها / (160/أ) حتى تتلخص صورة النزاع.
فأولها: أنه لا نزاع في جواز أن يقول الإنسان لنفسه "افعل" مع أنه يريد ذلك الفعل من نفسه.
وثانيها: أن من المعلوم أن ذلك لا يسمى أمرا على رأي من شرط فيه PageV03P1001 # العلو والاستعلاء.
وأما على رأي من لم يشترط ذلك، فيحتمل أن يقال: إنه لا يسميه أمرا أيضا، لأن العلو والاستعلاء وإن لم يكن معتبرا عنده، لكن المغايرة بين الأمر والأمور معتبرة عنده، وهي مفقودة هاهنا، فوجب أن لا يسمي أمرا، أما إن لم نعتبر هذا فيجب أن نسميه أمرا لتحقق حده وحقيقته، لكنه بعيد.
وثالثها: أنه هل يحسن ذلك أم لا؟.
والحق لا، لأن فائدة الأمر إعلام الغير بأن الآمر طالب للفعل ولا فائدة في إعلام الرجل نفسه.
ورابعها: أن يأمر الإنسان عبده بأمر خاص به بحيث لا يتناوله، فمن المعلوم أن الآمر غير داخل تحت الأمر سواء كان ذلك أمر نفسه كقوله: أأمركم بكذا، أو ينقل أمر غيره بعبارته كقوله: إن فلانا يأمركم بكذا، أو بعبارته كقوله: إن الله يأمركم أيتها الأمة بكذا، إذ في العرف لا يتناول الأمة PageV03P1002 # النهي
وخامسها: أن يأمر بأمر الغير بلفظ يتناوله، فالظاهر أنه لا نزاع في هذه الصورة في أنه يدخل تحت الأمر، سواء كان ذلك الأمر كلام الغير كما إذا تلي النبي عليه السلام على الأمة: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} أو نقل أمره بكلام نفسه كقوله: إن الله تعالى يأمركم بكذا.
وسادسها: أن يأمر بأمر نفسه بلفظ يتناوله كقوله: أيها الناس، أو أيها المؤمنون افعلوا كذا فالأقرب أن هذا هو محل النزاع.
فالأكثرون على أنه يدخل، نظرا لعموم اللفظ، فإن كونه أمرا لا يصلح معارضا له.