الرسالة الرابعة
كتاب نفحات النسمات في وصول إهداء الثواب للأموات
تأليف
الشيخ الإمام العالم المفتي قاضي قضاة الحنفية بالديار المصرية أحمد أبي العباس شهاب الدين إبراهيم بن عبد الغني السروجي الحنفي
701 ه
بسم الله الرحمن الرحيم
قال مصنفها رحمه الله تعالى:
مسألة: يحق للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة كان أو صوما أو حجا أو صدقة أو قراءة القرآن أو غير ذلك عند أبي حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل رحمهم الله، وينتفع به المهدي إليه.
روى الدارقطني عن علي بن أبي طالب عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من مر على المقابر فقرأ: {قل هو الله أحد} إحدى عشر مرة ثم وهب أجرها للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات)) ، وروى أبو بكر صاحب الخلال عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات)) ، وعن أنس بن مالك أنه قال لرسول الله فقال: يا رسول الله! إنا نتصدق عن موتانا ونحج عنهم وندعو لهم، فهل يصل ذلك إليهم؟ قال: ((نعم إنه ليصل إليهم ويفرحون كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدي إليه)) ، رواه أبو حفص الطبري.
وعن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقرؤوا على موتاكم سورة يس)) رواه أبو داوود، وعنه صلى الله عليه وسلم: ((أنه ضحى بكبشين أملحين،
أحدهما عن نفسه، والآخر عن أمته)) متفق عليه، أي جعل ثوابه لأمته.
وذكر عبد الحق صاحب كتاب ((الأحكام)) في ((العاقبة)) قال:
روي عنه أنه قال: ((الميت في قبره كالغريق ينتظر دعوة تلحقه من أبيه أو أخيه أو صديق له، فإذا لحقته كان أحب إليه من الدنيا وما فيها)) . وروى الحافظ اللالكائي في ((شرح السنة)) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((يموت الرجل ويدع ولدا فترفع له درجة، فيقول: يا رب! ما هذا؟ فيقول: باستغفار ولدك لك)) .
وقال تعالى: {وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم} وقال: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} وعن إبراهيم: {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين} ويدعى للميت في صلاة الجنازة واجمعنا على شفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء للمذنبين في دخول الجنة بشفاعتهم، وكل ذلك ليس من عملهم، وقال تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} دل مفهوم ذلك أن استغفارهم مفيد للمؤمنين، وقوله تعالى: {والذين جاءوا من
بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا} دل على أن هذا الدعاء ينفعهم، وفي ((العاقبة)) قال بشار بن غالب: رأيت رابعة العدوية العابدة في المنام وكنت كثير القراءة لها، فقالت: يا بشار هديتك تأتينا في أطباق من نور عليها مناديل من حرير، هكذا يا بشار دعاء الأحياء إذا دعوا لإخوانهم الموتى فاستجيب لهم، يقال: ((هذه هدية فلان)) .
وقال بعض من يوثق به! كانت لي امرأة فقرأت في بعض الليالي آيات من القرآن وأهديتها إليها ودعوت واستغفرت لها، فلما كان في اليوم الثاني جاءتني امرأة أعرفها قال: رأيت البارحة فلانة، تعني الميتة المذكورة في مجلس حسن وقد أخرجت أطباقا من تحت سرير وهي مملوءة قوارير، فقالت: يا فلانة! هذه هدية أهداها صاحب بيتي، قال: وما كنت أعلمت أحدا بما أهديت..)) .