وتكافؤ السارق والسابق في الإساءة والتقصير
:
هو أن يأتي الشاعر بمعنى لغيره قد أساء فيه الشاعر الأول، فيتبعه اقتداء بما صنع، PageV01P424 # واقتفاء لأثره فقط. وذلك كقول الفرزدق حيث أساء لنفسه الأمنية وقال: [من الطويل]
فيا ليتنا كنا بعيرين لا نرد ... على منهل إلا نشل ونقذف
واسترقه كثير فاحتذى حذوه، فقال: [من الطويل]
ألا ليتنا يا عز كنا لذي غنى ... بعيرين نرعى في الفلاة ونعزب
قال العقلاء: وهذا مما يكره من سوء الأمنية، ومثله قول المجنون: [من الطويل]
خليلي لا والله ما أملك الذي ... قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا
قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فألا بشيء غير ليلى ابتلانيا
فيقال: أنه لما قال: فألا بشيء غير ليلى ابتلانيا، ذهب بصره؛ وقيل في رواية أخرى: إنه مرض.
ومن التكافؤ في التقصير، والترادف في الإساءة، والتهافت في قبح الاتباع قول الشماخ: [من الوافر]
إذا أبلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين (¬1)
حرمت على الأزمة والولايا ... وأعلاق الرحاية والوضين
ولم أر أحدا من علماء الشعر ونقاد الكلام يحمد هذا المذهب من الشماخ، ولا يوجه له وجها مرضيا في وصف النوق التي يمتطيها الشعراء إلى الممدوحين. وقد قال أحيحة بن الجلاج للشماخ لما أنشده هذا: بئس المجازاة جازيتها به.
فاقتفى ذو الرمة مذهبه في الإساءة، فقال: [من الطويل]
إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر
فاحتذى حذوهما أبو دهبل الجمحي، فقال يمدح المغيرة بن عبد الله: [من مجزوء الكامل]
يا ناق سيري واشرقي ... بدم إذا جئت المغيره PageV01P425 # سيثيبني أخرى سواك ... وتلك لي منه يسيره
وسرق من ذي الرمة ابن أبي عاصية السلمي فقال: [من الكامل]
إن زال معن بني شريك لم يزل ... يدني إلى سفر لعين مسافر
نذر علي لئن لقيتك سالما ... أن تستمر بها شفار الجازر
ثم نحرها عند وصولها إليه، فبلغ ذلك معنا، فتطير، وقال: ما حملك على ما صنعت، فقال: نذر كان علي وأنشده الشعر، فقال معن: أطعمونا من كبد هذه المظلومة.