ضروب الشعر
أربعة: ضرب حسن لفظه ومعناه، وإذا نثر لم يفقد حسنه، كما قال الفرزدق (¬1): [من البسيط]
في كفه خيزران ريحه عبق ... بكف أروع في عرنينه شمم (¬2) PageV01P095 # يغضي حياء ويغضى من مهابته ... ولا يكلم إلا حين يبتسم (¬1)
وضرب حسن لفظه، وخلا معناه، كقول الآخر (¬2): [من الطويل]
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسألت بأعناق المطي الأباطح
وضرب جاد معناه، وقصر لفظه كقول النابغة الذبياني (¬3): [من الطويل]
خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازع (¬4)
وضرب قصر لفظه ومعناه، كقول الأعشى (أعشى بكر) (¬5): [من المنسرح]
إن محلا وإن مرتحلا ... وإن للسفر ما [مضى مهلا] (¬6) PageV01P096
والشعر له أسباب
:
متى خلا من واحد منها كان كالحيوان الذي عابه نقص في خلقته، وشانه فقد شيء من أعضاء صورته. أولها فصاحة اللفظ، وإبداع المعنى؛ لأن الشعر لفظ ومعنى، فاللفظ جسم الحيوان، والمعنى روحه ونفسه، وفصاحة اللفظ نعومة ذلك الجسم، وحسن بشرته، وصفاء لؤبه.
وإبداع المعنى شرف تلك النفس، وكمالها وزهوها. وكما أن الجسم بغير روح لا يوجد به حركة ولا عقل، والروح بغير جسم لا يدرك لها ملكة ولا فعل، فكذلك الشعر، لا يصح إلا باجتماع اللفظ والمعنى فيه من غير انفراد أحدهما عن الآخر. وإذا كانت الفصاحة مسلمة إلى العرب ---- من إبداع المعنى، وجزالة اللفظ، والحذق بصناعة الشعر -- حقهم، ولا ينكر سبقهم. وأنا لا أسلم إلى المتقدم إذا جاء بالرديء من شعره لتقدمه، ولا أبخس المتأخر حق الفضيلة لتأخره اقتداء بالمئل السائر، المنجد الغائر، المحكم الأوصاف، الكامل العدل والإنصاف، وهو قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: لا تنظر إلى من قال، وانظر ما قال.
فالفصاحة في اللفظ كالأبيات التي يرويها الناس للفرزدق (¬1): [من الطويل] PageV01P097 # وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصايب (¬1)
سروا يخبطون الليل وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوار من كل جانب (¬2) PageV01P098 # إذا ما استداروا وجهة الريح أعصفت ... تصك وجوه القوم بين الركائب
إذا أنسوا نارا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم [نار غالب] (¬1)
رأوا ضوء نار في يفاع تألفت ... يؤدي إليها ليلها كل ساغب (¬2)
تشب لمقرورين طال سراهم ... إليها وقد أصغت توالي الكواكب
ترى نسبا من صادرين وورد ... إذا راكب ولى أناخت براكب
إلى نار ضراب العراقيب لا يني ... له من غراري سيفه خير طالب (¬3)
تدر له الأنساء في ليلة الصبا ... وتمرى به اللبات عند الترائب
وكقول ذي الرمة (¬4): [من الطويل] PageV01P099 # ألم تعلمي يامي أنا وبيننا ... فياف لطرف العين فيهن مطرح
ذكرتك إذ مرت بنا أم شادن ... أمام المطايا تشرئب وتسنح
من المؤلفات الرمل أدماء حرة ... شعاع الضحى في متنها يتوضح
. . . . . . . . . . . . صحبها ... لنا وسواد الليل قد كاد يجنح
. . . . . . . . . . . . . . . . ... ندى الطل إلا أنه أملح
كأن خزامى عالج في ثيابها ... بعيد الكرى أو فار مسك تذبح
أبيت على مثل الأثافي وبعلها ... يبيت على مثل النقا يتبطح (¬1) PageV01P100 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P101