والتفاوت بين أنواع السرقات
:
السرقة: إتيان الشاعر بلفظ، أو معنى أو كليهما، قد سبقه به المتقدم قبله. وهي متنوعة وأنواعا قد سماها الفضلاء وأهل العلم والأدب أسماء تميزت بها، ووقع الاصطلاح بينهم عليها تغاضيا للشاعر فيها ليغيروا هجنة اسم السرقة عنها، ويعرفوها باسم غيره، وإن كانت منها؛ وذلك لأن "كلام العرب ملتبس بعضه ببعض، وآخذ أواخره من أوائله. والمبتدع منه والمخترع قليل إذا تصفحته وامتحنته واختبرته، والمحترس المتحفظ المطبوع بلاغة وشعرا من المتقدمين والمتأخرين لا يسلم أن يكون كلامه أخذا من كلام غيره، وإن اجتهد في الاحتراس، وتخلل طرق الكلام، وباعد في المعنى، وقارب في اللفظ، وأفلت من شباك التداخل. ألا ترى إلى الأعرابي الباديء لا يكتب، ولا يقرأ، ولا يروي، ولا يحفظ، ولا يتمثل، ولا يحذو، لا يكاد كلامه يخرج عن كلام من كان قبله، ولا يسلك إلا طريقة قد ذللت له. فكيف لا يكون ذلك مع المتكلف المتصنع، والمتعمد القاصد؟ ومن ظن أن كلامه لا يلتبس بكلام غيره، فقد كذبه ظنه، وفضحه امتحانه ولو نظر ناظر في معاني الشعر وألفاظ البلاغة حتى يخلص لكل شاعر أو بليغ ما برع فيه من لفظ، وتفرد به من معنى لم يشركه فيه أحد قبله، ولا بعده، PageV01P338 # لكان ذلك قليلا معدودا، ونزرا محدودا" (¬1).
ويعم جميع الأسماء المصطلح عليها عند الفضلاء كلها اسم السرقة في الحقيقة؛ لأنها جنس لها. وهذا الباب يحتاج إلى تمييز كل واحد من الأنواع بحد يشتمل عليه في موضعه مفصلا، بحيث يتضح الفرق بين كل نوع، ويزول الإشكال الذي عرض في اشتمال اسم واحد على الكل. وأنا أبينه فيما أذكره إن شاء الله تعالى.
فالسرقة على ثلاثة ضروب
:
ضرب قد أجمع الأدباء من علماء الشعر ونقاد الكلام على استحسانه وتسويغه، وتجويزه ومسامحة الشاعر فيه، وهو:
نظم المنثور، وإحسان الآخذ على المأخوذ منه، والشعر المحدود والمجدود، وتكافؤ إحسان المتبع والمبتدع، ونقل المعنى إلى غيره، وتقابل النظر في المعنى إلى مثله، والسلب، والاهتدام، وهو السلخ، والالتقاط، والتلفيق.